في تصريحات أثارت قلق الأوساط الاقتصادية، كشف مدير وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، عن توقعات قاتمة بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، محذراً من أن تقلبات أسواق الطاقة قد تستمر لمدة تصل إلى 24 شهراً. وأكد بيرول أن الصراع المتصاعد بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يهدد بخلق أسوأ أزمة طاقة يواجهها العالم على الإطلاق، مشيراً إلى أن هذه التوترات تأتي في وقت حساس يعاني فيه الاقتصاد الدولي من هشاشة واضحة.
الجذور التاريخية وراء تقلبات أسواق الطاقة الحالية
لفهم حجم الأزمة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي للأزمات السابقة. أوضح بيرول في مقابلة حديثة مع إذاعة «فرانس إنتر» أن ما نشهده اليوم هو «أكبر أزمة في التاريخ»، حيث إنها تجمع بين صدمات متعددة. تاريخياً، شهد العالم أزمات طاقة كبرى في عامي 1973 إبان حظر النفط العربي، و1979 خلال الثورة الإيرانية، بالإضافة إلى صدمة عام 2022 المرتبطة بالغزو الروسي لأوكرانيا. الأزمة الحالية تعتبر أضخم وأعقد، لأنها تدمج بين آثار صدمة النفط التقليدية وأزمة الغاز الطبيعي المرتبطة بروسيا، مما يجعل تقلبات أسواق الطاقة الحالية أسوأ من كل تلك الأزمات السابقة مجتمعة.
تداعيات الصراع في الشرق الأوسط ومضيق هرمز
أدت الحرب والتوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط إلى تعطيل خطير لحركة الملاحة البحرية، لا سيما في مضيق هرمز الاستراتيجي. يُعد هذا المضيق شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية. ولمواجهة هذا النقص الحاد والارتفاع الجنوني في الأسعار الناجم عن الصراع الأمريكي-الإسرائيلي مع إيران، اتخذت وكالة الطاقة الدولية خطوة غير مسبوقة في مارس الماضي، حيث وافقت على سحب كمية قياسية تبلغ 400 مليون برميل من النفط من المخزونات الاستراتيجية للدول الأعضاء، في محاولة لتهدئة الأسواق وتوفير إمدادات بديلة.
الأثر الاقتصادي المتوقع على المستويات المحلية والدولية
إن أهمية هذا الحدث تتجاوز مجرد ارتفاع أسعار الوقود، لتمتد إلى تأثيرات اقتصادية عميقة على كافة الأصعدة. محلياً وإقليمياً، تواجه الدول المستوردة للطاقة ضغوطاً تضخمية هائلة تؤثر بشكل مباشر على تكلفة المعيشة وأسعار السلع الأساسية، بينما تجد الدول المنتجة نفسها أمام تحديات أمنية تهدد بنيتها التحتية ومسارات التصدير. على الصعيد الدولي، جاءت هذه الأزمة لتضاف إلى الآثار المدمرة للحرب الروسية الأوكرانية التي قطعت بالفعل إمدادات الغاز الروسي عن القارة الأوروبية. هذا الانقطاع المزدوج يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، ويزيد من تكاليف الإنتاج الصناعي، مما قد يدفع بعض الاقتصادات الكبرى نحو الركود.
لماذا ستستمر الأزمة لعامين؟
رغم الجهود الدولية لاحتواء الموقف، أوضح بيرول أن استقرار الأسواق لن يحدث بين عشية وضحاها. التوقعات تشير إلى أن حالة عدم اليقين والاضطرابات قد تستمر لمدة تصل إلى عامين كاملين. وحتى في حال تحسن الأوضاع الجيوسياسية وتوقف العمليات العسكرية، فإن إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية المستنزفة، وتأمين مسارات ملاحية جديدة، وإصلاح سلاسل التوريد المتضررة، كلها عوامل تتطلب وقتاً طويلاً. هذا الواقع يفرض على المجتمع الدولي ضرورة تسريع خطط التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتخفيف حدة الصدمات المستقبلية.


