في قلب عاصفة سياسية متصاعدة، يجد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر نفسه في موقف حرج، معترفاً بارتكاب “خطأ في التقدير” بشأن تعيين اللورد بيتر ماندلسون سفيراً لدى الولايات المتحدة. وتأتي هذه الأزمة، التي باتت تُعرف إعلامياً بـ “فضيحة ماندلسون”، لتشكل الاختبار الأصعب لحكومة حزب العمال الجديدة، وتثير تساؤلات جدية حول إجراءات التدقيق والشفافية في أعلى مستويات السلطة.
وقد أقر ستارمر، تحت ضغط برلماني وإعلامي شديد، بأنه لم يكن ليقدم على هذا التعيين لو كان على دراية كاملة بالتحذيرات الأمنية التي تم حجبها عنه. وأوضح أمام البرلمان أن مسؤولين في وزارة الخارجية أخفوا عنه معلومات حساسة كانت كفيلة بمنع تعيين ماندلسون من الأساس، وهو ما وصفه بأنه “أمر يصعب تصديقه” ويتنافى مع معايير المساءلة الحكومية.
جذور الأزمة: من هو بيتر ماندلسون؟
لفهم أبعاد هذه الفضيحة، لا بد من العودة إلى تاريخ بيتر ماندلسون نفسه. يُعتبر ماندلسون أحد أبرز مهندسي “حزب العمال الجديد” الذي قاده توني بلير إلى السلطة في التسعينيات، وهو شخصية تتمتع بنفوذ كبير ولكنها مثيرة للجدل في الوقت ذاته. ارتبط اسمه بالعديد من الأزمات السياسية في الماضي، مما جعل قرار تعيينه في منصب دبلوماسي رفيع المستوى، كسفير لدى واشنطن، محط استغراب ومراقبة منذ اللحظة الأولى. إن منصب السفير في واشنطن يحمل أهمية استراتيجية بالغة للمملكة المتحدة، نظراً لطبيعة “العلاقة الخاصة” التي تربط البلدين، وأي خطأ في اختيار شاغل هذا المنصب يمكن أن تكون له تداعيات دولية وخيمة.
أبعاد فضيحة ماندلسون: إخفاقات أمنية واتهامات متبادلة
تفاقمت الأزمة بشكل كبير بعد الكشف عن أن ماندلسون فشل في اجتياز أعلى مستويات الفحص الأمني، المعروف باسم “التدقيق المعزز” (Developed Vetting). هذا الفحص ضروري للمسؤولين الذين يطلعون على معلومات استخباراتية بالغة السرية. ورغم ذلك، تم منحه تصريحاً مؤقتاً. يأتي هذا في سياق الجدل المثار حول علاقات ماندلسون السابقة برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية، وهو ما أثار مخاوف أمنية لدى الأجهزة المختصة. وفي تطور لافت، أقال ستارمر المسؤول البارز في وزارة الخارجية، أولي روبنز، محملاً إياه مسؤولية الموافقة على بيان يفيد بأن ماندلسون قد اجتاز الفحص الأمني بنجاح، وهو ما تبين لاحقاً أنه غير دقيق.
تداعيات سياسية تهز حكومة ستارمر
تأتي هذه الفضيحة في وقت حرج لحكومة ستارمر، التي لم يمض على تشكيلها سوى بضعة أشهر بعد فوز كاسح في انتخابات 2024. وقد استغلت المعارضة، بقيادة زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوش، الموقف لمهاجمة ستارمر، متهمة إياه بـ”الضعف” ومحاولة إلقاء اللوم على الموظفين بدلاً من تحمل المسؤولية الكاملة. على الصعيد الدولي، زاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من حدة الجدل بتعليقه على منصته “تروث سوشيال”، واصفاً التعيين بأنه “اختيار سيئ للغاية”، مما يضيف بعداً آخر للضغوط التي تواجهها الحكومة البريطانية. ومع تراجع شعبية ستارمر في استطلاعات الرأي الأخيرة، وقبيل انتخابات محلية هامة، تمثل هذه الأزمة تحدياً كبيراً لقدرته على الحفاظ على ثقة الجمهور وسلطته السياسية.


