spot_img

ذات صلة

أزمة الوقود في إيران: عجز 77 مليون لتر بنزين يومياً

أزمة الوقود في إيران: عجز غير مسبوق يهدد الاستقرار

تتجه الأنظار نحو التطورات الاقتصادية المتسارعة، حيث تلوح في الأفق أزمة الوقود في إيران بشكل غير مسبوق ينذر بعواقب وخيمة. فقد كشف مياد مالكي، المسؤول السابق في فريق هندسة العقوبات الأمريكية والمدير المشارك السابق في مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية، والزميل في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، أن النظام الإيراني يواجه مهلة مادية حاسمة لا يمكن التلاعب بها في ظل استمرار الضغوط البحرية وقطاع الطاقة. وأكد مالكي أن لغة الأرقام تكشف عن هشاشة اقتصادية تفوق بكثير ما تروج له الخطابات السياسية الرسمية في طهران، مشيراً بوضوح إلى أن «النفط والبنزين لا يتفاوضان».

الجذور التاريخية وتأثير العقوبات على قطاع الطاقة

لفهم أبعاد هذه الأزمة المعقدة، يجب النظر إلى السياق التاريخي لقطاع الطاقة الإيراني. على الرغم من امتلاك إيران لواحد من أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم، إلا أنها عانت لعقود من ضعف مزمن في البنية التحتية لقطاع التكرير والمصافي. وقد أدت العقوبات الاقتصادية الأمريكية والغربية المتتالية، خاصة منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عام 2018، إلى حرمان طهران من التكنولوجيا الحديثة والاستثمارات الأجنبية اللازمة لتحديث مصافيها المتهالكة. هذا التراكم التاريخي للعقوبات وسوء الإدارة جعل البلاد غير قادرة على تلبية الطلب المحلي المتزايد، مما حولها من مصدر محتمل للمشتقات النفطية إلى مستورد يواجه صعوبات جمة في تأمين احتياجاته الأساسية.

أرقام صادمة: عجز يومي يبلغ 77 مليون لتر

وفي تحليله للوضع الراهن الذي نشره عبر منصة «إكس»، أوضح مالكي أن إيران دخلت فعلياً مرحلة الحصار. وتمتلك البلاد حالياً نحو 15 مليون برميل من النفط المخزن في جزيرة خرج، وهو ما يعادل 51% من طاقتها الاستيعابية. وبحسب التقديرات، فإن استمرار الإنتاج عند المستويات الحالية البالغة 1.9 مليون برميل يومياً سيؤدي إلى امتلاء الخزانات بالكامل خلال ثمانية أيام فقط. وحتى مع خفض الإنتاج للحد الأدنى الممكن تقنياً، ستبلغ السعات التخزينية أقصاها خلال نحو 20 يوماً، مما يعني أن أي استمرار للحصار بعد ذلك سيفرض إيقاف الآبار، مع مخاطر أضرار دائمة على المكامن النفطية.

الضغط الحقيقي لا يقتصر على النفط الخام، بل يمتد بقوة إلى سوق الوقود المحلي، وتحديداً البنزين. تنتج إيران نحو 120 مليون لتر من البنزين يومياً، بينما يبلغ الاستهلاك في الظروف الطبيعية نحو 134 مليون لتر، مما يخلق عجزاً هيكلياً قدره 14 مليون لتر. ولكن مع ظروف التوترات والقيود والنشاط العسكري، قفز الاستهلاك اليومي إلى نحو 197 مليون لتر، ليتسع العجز إلى 77 مليون لتر يومياً. هذا الفارق الشاسع كان يُغطى عبر الاستيراد بتكلفة تقارب 340 ألف ريال إيراني للتر، بينما يُباع للمستهلك المحلي بنحو 15 ألف ريال فقط، مما يشكل عبئاً مالياً ثقيلاً على الحكومة في ظل سعر صرف يناهز 1.5 مليون ريال للدولار. وقف الاستيراد يعني ببساطة «جفاف المضخات» مالياً ولوجستياً.

التداعيات المحلية والإقليمية لنفاد الاحتياطي الاستراتيجي

فيما يتعلق بالاحتياطي الاستراتيجي، قدر مالكي أن إيران تمتلك نحو 1.56 مليار لتر من البنزين و1.28 مليار لتر من الديزل، أي ما يعادل نحو 12 يوماً من الإمدادات الوطنية. وفي حال فقدان جزء من طاقة التكرير مع توقف الاستيراد، سيبلغ العجز اليومي 47 مليون لتر، مما يؤدي إلى نفاد الاحتياطي خلال 33 يوماً. أما في حال تدهور المصافي أو تصاعد الشراء بدافع الذعر، فقد ينخفض هذا الأجل إلى 22 يوماً فقط.

إن تفاقم أزمة الوقود في إيران يحمل تداعيات خطيرة. محلياً، ستبدأ مظاهر النقص الحاد من إغلاق محطات الوقود، ارتفاع الأسعار في السوق السوداء، واصطفاف المركبات، مما سيخلق احتقاناً اجتماعياً وأمنياً متزايداً قد يعيد للأذهان احتجاجات الوقود السابقة التي عصفت بالبلاد. إقليمياً، فإن شلل حركة النقل سيحد من قدرة النظام على تحريك قواته العسكرية ونقل الغذاء، مما يضعف موقفه الجيوسياسي. وكما يختتم مالكي تحليله، فإن أي نظام لا يمكنه الاستغناء عن الوقود للحفاظ على بقائه، مؤكداً أن «ساعة البنزين هي طاولة التفاوض الحقيقية».

spot_imgspot_img