spot_img

ذات صلة

حياة الفهد: قصة 78 عاماً من المعاناة والنجومية والرحيل

بعد مسيرة فنية حافلة امتدت لعقود، أسدلت الفنانة القديرة حياة الفهد الستار على رحلتها المليئة بالتحديات والنجاحات، لتترك خلفها إرثاً فنياً خالداً سيظل محفوراً في ذاكرة الأجيال. فجر يوم الثلاثاء، رحلت “سيدة الشاشة الخليجية” عن عمر ناهز 78 عاماً، بعد حياة لم تكن سهلة، بدأت باليتم المبكر، ومرت بصعوبات شخصية قاسية، لكنها انتهت بتربعها على عرش الدراما في الخليج العربي، لتصبح قصة كفاحها مصدر إلهام للكثيرين.

نشأة صعبة وبدايات فنية ملهمة

وُلدت حياة الفهد في 15 أبريل 1948، وعاشت طفولة لم تكن عادية، حيث فقدت والدها في سن مبكرة، مما ألقى بظلاله على حياتها. واجهت معاملة قاسية من والدتها التي كانت ترفض بشدة دخولها المجال الفني، وهو الحلم الذي راودها منذ الصغر بعد تأثرها بأفلام الفنان فريد الأطرش. هذا الرفض وصل إلى حد تعرضها للضرب وإعلانها الإضراب عن الطعام، في دلالة مبكرة على شخصيتها القوية وإصرارها على تحقيق شغفها. ورغم تركها للدراسة في مراحلها الأولى، فإنها لم تستسلم للجهل، بل علّمت نفسها القراءة والكتابة وأتقنت اللغة الإنجليزية، لتصنع شخصيتها العصامية التي ميزتها طوال مسيرتها.

حياة الفهد.. أيقونة الدراما الخليجية

لم تكن انطلاقة حياة الفهد مجرد بداية لممثلة جديدة، بل كانت إيذاناً ببدء حقبة ذهبية للدراما الكويتية والخليجية. في ستينيات القرن الماضي، كانت الكويت تشهد نهضة ثقافية وفنية جعلتها منارة للمنطقة. وفي هذا السياق، اكتشفها الفنان أبو جسوم أثناء عملها كممرضة، ليقدمها للجمهور في مسلسل “عائلة بو جسوم” عام 1964. كانت هذه هي الشرارة الأولى التي أضاءت مسيرة فنية استثنائية تجاوزت 216 عملاً فنياً، رسخت من خلالها مكانتها كواحدة من أهم نجمات الخليج. شكلت ثنائيات فنية لا تُنسى، أبرزها مع رفيقة دربها الفنانة سعاد عبد الله، حيث قدما معاً أعمالاً خالدة مثل “رقية وسبيكة” و”على الدنيا السلام”، التي ناقشت قضايا اجتماعية بأسلوب فريد لامس قلوب المشاهدين في كل بيت عربي.

محطات شخصية خلف الأضواء

رغم الشهرة الواسعة التي حظيت بها، حرصت حياة الفهد على إبقاء تفاصيل حياتها الشخصية بعيدة عن الأضواء. تزوجت في سن السابعة عشرة من الطبيب العراقي قصي الجلبي وأنجبت منه ابنتها الوحيدة “سوزان”، لكن الزواج لم يستمر طويلاً بسبب الخلاف حول استمرارها في العمل الفني. تجربتها الثانية كانت مع فنان لبناني، وتولت خلالها رعاية ابنتيه التوأم حتى بعد انتهاء العلاقة. لم تقتصر أمومتها على بناتها، بل عُرف عنها جانبها الإنساني الكبير، حيث تكفلت بتربية طفلة يتيمة تدعى “روزان”، واعتبرتها ابنة لها، مما يعكس عمق إنسانيتها وعطائها الذي لم يتوقف داخل الشاشة أو خارجها.

سنوات أخيرة من المعاناة والرحيل الهادئ

في سنواتها الأخيرة، واجهت الفنانة القديرة تحديات صحية حرجة، حيث تعرضت لجلطتين في الدماغ بفارق 15 يوماً فقط، وخضعت لعملية قسطرة، مما أثر بشكل كبير على حالتها الصحية. ورغم سفرها إلى لندن لاستكمال العلاج، استمرت معاناتها مع المرض بصمت وصبر. خلال الساعات الأخيرة من حياتها، تعرضت لانتكاسة صحية حادة، نُقلت على إثرها إلى العناية المركزة، حيث تدهورت حالتها تدريجياً لتفارق الحياة بهدوء، وتطوي صفحة من ألمع صفحات تاريخ الفن الخليجي. برحيل حياة الفهد، تفقد الدراما الخليجية أحد أعمدتها الراسخة، لكن حضورها سيظل ممتداً عبر أعمالها التي شكلت وجدان أجيال، وحكاية امرأة صنعت مجدها رغم قسوة البداية وثقل النهاية.

spot_imgspot_img