في خطوة تعكس تصاعد التوتر الدبلوماسي، يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في اجتماعهم المنعقد في لوكسمبورغ، دعوات متزايدة لمراجعة أو تعليق الشراكة مع إسرائيل. تأتي هذه الدعوات، التي تقودها دول مثل إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا، كرد فعل على استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، مما يضع العلاقات الأوروبية الإسرائيلية أمام اختبار هو الأصعب منذ سنوات.
وقبيل الاجتماع، صرح وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، بأن بلاده إلى جانب إيرلندا وسلوفينيا، طلبت رسمياً من المفوضية الأوروبية مناقشة تعليق اتفاقية الشراكة، مشيراً إلى أن الوضع الإنساني المتردي وانتهاكات القانون الدولي تستدعي موقفاً حازماً. وتجد هذه الدعوة صدى لدى دول أخرى، حيث دعا وزير الخارجية البلجيكي، ماكسيم بريفو، إلى تعليق جزئي على الأقل للاتفاقية، معتبراً أن التعليق الكامل قد يكون صعب المنال بسبب الانقسام بين الدول الأعضاء.
اتفاقية الشراكة: حجر زاوية على المحك
تُعد اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2000، الإطار القانوني الذي ينظم العلاقات السياسية والتجارية بين الطرفين. وهي تمنح إسرائيل وصولاً تفضيلياً إلى السوق الأوروبية الموحدة، التي تعد أكبر شريك تجاري لها. لكن الأهمية السياسية للاتفاقية تكمن في المادة الثانية منها، والتي تُعرف بـ “بند حقوق الإنسان”. تنص هذه المادة صراحة على أن “العلاقات بين الطرفين، وكذلك أحكام الاتفاقية نفسها، تقوم على احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية”. ويرى المؤيدون لتعليق الاتفاقية أن استمرار العمليات العسكرية في غزة، التي أدت إلى سقوط آلاف الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية، يشكل خرقاً واضحاً لهذه المادة الأساسية، مما يمنح الاتحاد الأوروبي أساساً قانونياً لمراجعة الاتفاقية.
انقسام أوروبي حاد حول تعليق الشراكة مع إسرائيل
رغم الضغوط المتزايدة، لا يزال الموقف الأوروبي منقسماً بشدة. ففي حين تتبنى دول مثل إسبانيا وإيرلندا موقفاً متقدماً، تعارض دول أخرى ذات ثقل سياسي، مثل ألمانيا والنمسا والمجر، أي خطوة نحو التعليق. وقد اعتبر وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديفول، أن “تعليق بند التجارة في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل سيكون غير مناسب”، مشدداً على أهمية الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة. يعكس هذا الانقسام التحدي التاريخي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي في تبني سياسة خارجية موحدة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث تتداخل الاعتبارات التاريخية والمصالح الوطنية لكل دولة.
وتتجاوز هذه الدعوات الأروقة الدبلوماسية، حيث تتزايد الضغوط الشعبية ومنظمات المجتمع المدني داخل أوروبا. فقد وقع أكثر من مليون مواطن أوروبي على عريضة تطالب بتعليق الاتفاقية، كما دعا خبراء في الأمم المتحدة الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات فورية. ويجادل هؤلاء بأن استمرار منح إسرائيل امتيازات تجارية في ظل الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم حرب يضع مصداقية الاتحاد الأوروبي كقوة مدافعة عن حقوق الإنسان والقانون الدولي على المحك.


