spot_img

ذات صلة

نفوذ الحرس الثوري ومجتبى خامنئي: تحولات السلطة في إيران

كشف تقرير حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن تحولات جذرية في هيكل السلطة الإيرانية، مشيراً إلى تزايد نفوذ الحرس الثوري ومجتبى خامنئي، نجل المرشد الأعلى، في صياغة القرارات الحاسمة. يأتي هذا الكشف في ظل مرحلة جديدة تمر بها إيران، حيث باتت القرارات المتعلقة بالأمن والحرب والدبلوماسية تُدار فعلياً من قبل نخبة من قيادات الحرس الثوري، مما يقلص الدور التنفيذي المباشر للمرشد الجديد الذي تم تعيينه مؤخراً. ووصفت الصحيفة مجتبى خامنئي بأنه «شخصية غامضة» لم يظهر علناً أو يُسمع صوته منذ تعيينه في مارس الماضي، مما يثير تساؤلات حول طبيعة دوره الحقيقي في المشهد السياسي الإيراني.

تحولات في المشهد السياسي الإيراني: السياق التاريخي

لطالما تميزت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بهيكل سلطة معقد، يجمع بين المؤسسات المنتخبة والمؤسسات الدينية والعسكرية التي تتمتع بصلاحيات واسعة. المرشد الأعلى هو رأس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة، ويملك الكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية. ومع ذلك، فإن نفوذ الحرس الثوري الإيراني (IRGC) قد تزايد بشكل مطرد منذ تأسيسه بعد الثورة الإسلامية عام 1979. فبعد حرب الثماني سنوات مع العراق، توسعت صلاحيات الحرس الثوري لتشمل قطاعات اقتصادية وسياسية وعسكرية واسعة، ليصبح قوة مهيمنة لا يمكن تجاوزها في المشهد الإيراني. هذا التوسع في الصلاحيات، خاصة في العقود الأخيرة، أدى إلى تغلغل الحرس الثوري في مفاصل الدولة، مما يجعله لاعباً رئيسياً في أي تحول سياسي أو قيادي.

التقرير يشير إلى أن مجموعة من القادة المتشددين في الحرس الثوري، بالتعاون مع شخصيات متحالفة معهم، أصبحوا هم صانعي القرار الفعليين في قضايا الأمن والحرب والدبلوماسية. هذا التطور يمثل تحولاً كبيراً عن الفترة السابقة، حيث كان المرشد الراحل علي خامنئي يمتلك زمام السلطة المطلقة في هذه المسائل، بما في ذلك المفاوضات مع الولايات المتحدة. أما ابنه وخليفته، مجتبى، فلا يؤدي الدور نفسه، مما يترك فراغاً قيادياً يتم ملؤه بشكل متزايد من قبل الحرس الثوري.

مجتبى خامنئي: وريث محتمل أم صانع قرار خفي؟

مجتبى خامنئي، الذي يوصف بأنه «شخصية غامضة»، لم يظهر علناً ولم يُسمع صوته منذ تعيينه في منصبه الجديد في مارس الماضي. هذا الغياب عن الأضواء يتناقض مع الدور المحوري الذي ينسبه إليه التقرير، حيث نقلت الصحيفة عن السياسي الإيراني عبد الرضا داوري، الذي شغل منصب كبير مستشاري الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، قوله إن «مجتبى يدير البلاد كما لو كان رئيساً لمجلس إدارة»، مضيفاً أنه «يعتمد بدرجة كبيرة على نصائح وتوجيهات أعضاء هذا المجلس، ويتم اتخاذ القرارات بشكل جماعي، والجنرالات هم أعضاء هذا المجلس». هذا الوصف لمجلس إدارة إيران الجديد يستند إلى مقابلات مع ستة مسؤولين إيرانيين كبار وسابقين، وأعضاء في الحرس الثوري، ورجل دين مطلع على كواليس النظام، بالإضافة إلى ثلاثة مقربين من مجتبى خامنئي وتسعة آخرين لهم صلات بالحرس الثوري والحكومة، تحدثوا جميعاً بشرط عدم الكشف عن هوياتهم.

التقرير يكشف أيضاً عن تفاصيل تتعلق بالحالة الصحية لمجتبى، مشيراً إلى أنه تعرض لإصابات بالغة جراء غارات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مقر والده في 28 فبراير الماضي، حيث كان يقيم مع عائلته. وقد أسفر القصف عن مقتل والده وزوجته وابنه، مما جعل الوصول إليه صعباً ومحدوداً للغاية. مجتبى يخضع حالياً للعلاج من هذه الإصابات، حيث ذكرت الصحيفة أنه خضع لثلاث عمليات جراحية في ساقه وينتظر تركيب طرف صناعي، كما أُجريت له جراحة في إحدى يديه لاستعادة وظائفها تدريجياً. وأوضح مسؤولون إيرانيون كبار مطلعون على وضعه الصحي أن «وجهه وشفتاه تعرضا لحروق شديدة، مما يصعب عليه التحدث»، وأنه «سيحتاج لاحقاً إلى جراحة تجميلية».

تداعيات إقليمية ودولية على مستقبل إيران

إن تزايد نفوذ الحرس الثوري ومجتبى خامنئي في صناعة القرار الإيراني يحمل تداعيات كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي. فسيطرة الحرس الثوري على القرارات الأمنية والعسكرية قد يؤدي إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في المنطقة، مما يزيد من التوترات مع القوى الإقليمية والدولية. كما أن الغموض الذي يحيط بدور مجتبى خامنئي وحالته الصحية يضيف طبقة من عدم اليقين حول مستقبل القيادة في إيران، خاصة مع اقتراب فترة انتقال محتملة للسلطة. هذا الوضع قد يؤثر على استقرار المنطقة بأسرها، من خلال التأثير على الملف النووي الإيراني، وعلاقات إيران مع جيرانها، ودورها في الصراعات الإقليمية.

في سياق متصل، نقلت الصحيفة عن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب قوله إن الحملة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران قد جعلت النظام في حالة فوضى، مؤكداً أن القيادة في إيران أصبحت «غير واضحة» بعد استهداف ثلاثة مستويات قيادية وكل من كان قريباً منهم. وأشار ترامب إلى أن «إيران لم تعد المتنمر في الشرق الأوسط ولا أحد يريد مساعدتها لأنها لم تعد تمتلك عامل الردع». من جهة أخرى، نقلت وكالة فارس عن البنك المركزي الإيراني أن رسوم عبور مضيق هرمز ستُؤخذ فقط من السفن التي تحصل على إذن بالعبور، مبينة أن عائدات رسوم عبور السفن لمضيق هرمز ستُسلم نقداً، مما يعكس محاولات النظام الإيراني لتأمين مصادر دخل في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات. هذه التطورات مجتمعة ترسم صورة معقدة لمستقبل إيران، حيث تتشابك التحديات الداخلية مع الضغوط الخارجية، في ظل تحولات عميقة في هيكل السلطة.

spot_imgspot_img