في تصريح حاسم يعكس عمق التحديات المحيطة ببرنامج طهران النووي، وصف المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، أي اتفاق نووي إيراني مستقبلي بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران دون إشراك الوكالة بأنه “وهم”. يأتي هذا التأكيد في سياق دعوة الرئيس الأمريكي السابق إلى صياغة اتفاق “أفضل من السابق”، متهماً الديمقراطيين بالسعي لإحراج بلاده تجاه طهران. وتشدد الوكالة الدولية للطاقة الذرية على دورها المحوري في التحقق والشفافية، مؤكدة أن أي اتفاق لا يتضمن رقابتها سيكون بلا قيمة حقيقية.
خلفية الاتفاق النووي الإيراني: مسار معقد
يعود تاريخ البرنامج النووي الإيراني إلى عقود، وشهد تطورات متسارعة أثارت قلق المجتمع الدولي بشأن طبيعته السلمية. توجت هذه المخاوف بتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) في عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). كان هذا الاتفاق يهدف إلى تقييد قدرات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018 خلال إدارة ترامب، معتبرة إياه غير كافٍ، وفرضت عقوبات مشددة، مما دفع إيران إلى التراجع تدريجياً عن بعض التزاماتها النووية. هذا الانسحاب وما تلاه من تصعيد، خلق بيئة من عدم اليقين وأعاد فتح الباب أمام مفاوضات محتملة، لكن بشروط جديدة ومطالب مختلفة من الأطراف المعنية.
دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية: حجر الزاوية في الشفافية
أكد غروسي في مقابلة مع صحيفة “تلغراف” البريطانية أن “أي اتفاق بدون الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيكون بلا قيمة”، مضيفاً: “بدون تحقق، أي اتفاق ليس اتفاقاً؛ إنه وهم باتفاق أو مجرد وعد لا نعرف ما إذا كان سيتم الالتزام به أم لا”. وتعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية هي الجهة الوحيدة القادرة على تأكيد وتصديق تنفيذ أي اتفاق نووي، نظراً لمعرفتها الدقيقة بالبرنامج الإيراني ومنشآته. فهي تمتلك الخبرة والآليات اللازمة لضمان الشفافية الكاملة، بما في ذلك تخفيف تخصيب اليورانيوم وشحن الكميات المتبقية إلى دولة ثالثة، كما حدث في اتفاق 2015. هذه الشفافية ضرورية لبناء الثقة ومنع أي تحول نحو الأغراض العسكرية.
تداعيات غياب الرقابة الدولية: مخاطر على الاستقرار العالمي
يحذر غروسي من مخاطر سباق تسلح نووي عالمي، مشيراً إلى دول مثل بولندا وكوريا الجنوبية واليابان التي قد تفكر في امتلاك أسلحة نووية إذا لم يتم احتواء برامج مثل البرنامج الإيراني بشكل فعال. هذا السيناريو قد يدفع العالم إلى “وضع فوضوي للغاية”. كما أعرب عن قلق الوكالة من النمو المتسارع للبرنامج النووي الصيني، واستمرار التهديد المتزايد الذي تمثله كوريا الشمالية بتوسيع برنامجها النووي. إن غياب الرقابة الدولية الفعالة على الاتفاق النووي الإيراني أو أي برامج نووية أخرى، يمكن أن يقوض نظام عدم الانتشار العالمي بأكمله، ويزيد من احتمالات الصراعات الإقليمية والدولية. وفي سياق متصل، تعمل الوكالة على إزالة سوريا من قائمة المخاوف المحتملة، مشيرة إلى تعاون الرئيس السوري بشار الأسد بعد العثور على مواد نووية تعود لبرنامج غير معلن كان النظام السابق يسعى لتطويره. ورغم اختفاء المخاوف الرئيسية، لا تزال هناك مؤشرات ومعلومات تحتاج إلى تحقيق مستمر.
في خضم هذه التطورات، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن تهديدات الولايات المتحدة واعتداءاتها على السفن التجارية الإيرانية تعرقل المسار الدبلوماسي. وأضاف أن إيران ستتخذ قراراتها بشأن متابعة المسار الدبلوماسي مع الأخذ في الاعتبار جميع المعطيات. هذا التوتر المستمر يؤكد الحاجة الملحة إلى حل دبلوماسي شامل وموثوق يضمن عدم انتشار الأسلحة النووية ويحقق الاستقرار في المنطقة والعالم.


