أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي، أن تعزيز العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى يقوم على أسس راسخة من التاريخ المشترك والمصالح المتبادلة. وأعرب البديوي عن ثقته بأن هذه الشراكة ستشهد مزيدًا من النمو والازدهار في السنوات القادمة، بما يحقق تطلعات شعوب المنطقة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا وتكاملاً. جاء ذلك خلال مشاركته في ورشة عمل بعنوان «تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى: من الروابط التاريخية إلى التعاون الشامل»، التي نظمها مركز الخليج للأبحاث بالتعاون مع معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية بمكتب رئيس جمهورية أوزبكستان، اليوم في مدينة الرياض.
جذور تاريخية وعمق ثقافي: أسس الشراكة الخليجية الآسيوية
تُعد العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول آسيا الوسطى ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة. لطالما كانت هذه المناطق نقاط التقاء حضارية على طريق الحرير القديم، حيث ازدهرت التجارة وتبادل المعارف والثقافات بين شعوبها. بعد استقلال دول آسيا الوسطى عن الاتحاد السوفيتي، شهدت العقود الأخيرة تجددًا في هذه الروابط، مدفوعة بالرغبة المشتركة في بناء علاقات قوية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. هذه الخلفية التاريخية الغنية توفر أساسًا متينًا لشراكة استراتيجية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية لتشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية، مما يعزز التفاهم والتقارب بين الشعوب.
آفاق اقتصادية واعدة: تنويع الشراكات وتعزيز الاستثمار
في كلمته، قدم الأمين العام خالص شكره لرئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبدالعزيز بن صقر، على مبادرته بتنظيم هذه الورشة التي جمعت سفراء دول آسيا الوسطى المعتمدين بالرياض مع نخبة مميزة من الباحثين والمهتمين والإعلاميين من الجانبين. وتهدف الورشة إلى تبادل وجهات النظر وسبل تطوير العلاقات الاستراتيجية وتعزيز التعاون بين دول مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى. وأفاد البديوي بأن العلاقات بين مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى تُعد من العلاقات الإقليمية الواعدة التي تشهد تطورًا متزايدًا في العقود الأخيرة. هذه العلاقات ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة، بالإضافة إلى المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة التي تجمع المنطقتين.
تمتلك دول آسيا الوسطى ثروات طبيعية هائلة، خاصة في مجال الطاقة (النفط والغاز الطبيعي)، بالإضافة إلى المعادن النادرة والموارد الزراعية الوفيرة. هذه الثروات تجعلها شريكًا اقتصاديًا مهمًا لدول مجلس التعاون، التي تسعى إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية وتعزيز استثماراتها الخارجية. في المقابل، تمتلك دول المجلس خبرات كبيرة في مجال إدارة الطاقة والاستثمار في البنية التحتية، وهو ما تحتاجه دول آسيا الوسطى لتطوير قطاعاتها الاقتصادية. كما أن هناك فرصًا للتعاون في مجالات الزراعة لضمان الأمن الغذائي، حيث تسعى دول مجلس التعاون للاستفادة من الفرص الاستثمارية في القطاعات الزراعية لتأمين احتياجاتها الغذائية. ومع ذلك، فإن طرق النقل التجارية الحالية تحول دون الاستفادة القصوى من هذه الفرص، حيث يتطلب مرورها عبر الأراضي الإيرانية، وهو ما يمثل عقبة لا سيما في الوضع الراهن. تُعد هذه الفرص الاقتصادية حجر الزاوية في جهود تعزيز العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وآسيا الوسطى.
وأوضح الأمين العام أن التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى وأذربيجان يشكل ركيزة أساسية في تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، ويمثل عاملاً محورياً في تحقيق التنمية المستدامة. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون 2.3 تريليون دولار في عام 2024، مما يعكس متانة الاقتصادات الخليجية وقدرتها التنافسية على المستوى العالمي. وسجلت الصادرات السلعية 823.1 مليار دولار، بينما بلغت الواردات السلعية 659.3 مليار دولار، مما جعل دول المجلس تحتل المرتبة التاسعة عالمياً في إجمالي الصادرات، والمرتبة الرابعة عشرة عالمياً في إجمالي الواردات. هذه المؤشرات تؤكد أهمية تعميق التعاون الاقتصادي وتعزيز الاستثمارات المتبادلة بين دول مجلس التعاون وشركائها، من خلال إزالة العوائق التجارية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز التكامل في سلاسل التوريد، مما يسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والازدهار المشترك.
وأكد أن التبادل التجاري السلعي بين دول مجلس التعاون ودول آسيا الوسطى، فرصة واعدة لم تبلغ بعد حجمها الحقيقي، فعلى الرغم من بلوغ إجمالي التبادل التجاري السلعي بين الجانبين نحو 10 مليارات دولار في عام 2023، إلا أن هذا الرقم لا يمثل سوى 0.7% من إجمالي حجم التبادل التجاري الكلي لدول المجلس. وقد بلغت صادرات دول المجلس إلى دول آسيا الوسطى نحو 8 مليارات دولار مقابل واردات بلغت 1.6 مليار دولار، مما يكشف عن هامش واسع من الإمكانيات غير المستثمرة بين المنطقتين. وانطلاقاً من هذا الواقع، علينا أن نرفع مستوى هذا التبادل إلى مراتب أعلى، من خلال توسيع قنوات الشراكة الاستثمارية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، وبناء جسور تجارية راسخة تسهم في تحقيق التنمية المستدامة لشعوب المنطقتين.
تحديات أمنية مشتركة: نحو استقرار إقليمي وعالمي
أشار الأمين العام إلى أن دول المجلس ودول آسيا الوسطى تشترك في العديد من التحديات الأمنية، مثل مكافحة الإرهاب، والحد من التطرف، وضمان الاستقرار الإقليمي. هذه التحديات تفتح الباب أمام تعزيز التعاون الأمني وتبادل المعلومات بين الطرفين. أما بشأن الوضع الراهن في منطقة الخليج العربي، فقد بين أن التحديات الأمنية الجسيمة التي تواجهها دول مجلس التعاون في الوقت الراهن، ذاكراً أنه منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026، تتعرض دول مجلس التعاون لهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة تجاوزت ستة آلاف هجمة خلال شهر واحد فقط، طالت منشآت مدنية حيوية من موانئ ومطارات ومنشآت طاقة ومناطق سكنية، مخلفة خسائر في الأرواح وأضراراً مادية جسيمة. وقد أدان مجلس الأمن الدولي هذه الهجمات صراحة بموجب القرار 2817، مطالباً بوقفها الفوري، ونعول على المجتمع الدولي في ضمان تنفيذه الكامل ومنع تكرار هذه الاعتداءات، مجدداً شكره وتقديره لدول المشاركين في الورشة على دعم دولهم لهذا القرار.
وقال الأمين العام: إن تداعيات هذه الأزمة امتدت لتطال أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يعبر منه ما يزيد على 20% من إمدادات الطاقة العالمية، مما يلقي بظلاله على اقتصادات دول العالم كافة، بما فيها دول آسيا الوسطى الشقيقة. وإن دول المجلس تؤكد تمسكها الكامل بحقها المشروع في الدفاع عن النفس وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية أمنها وسيادتها وسلامة شعوبها ومنشآتها الحيوية، مع التزامها الراسخ في الوقت ذاته بتجنب التصعيد والحفاظ على السلم والأمن الإقليميين والدوليين. واختتم كلمته قائلاً: «إننا نعول على دعم أشقائنا وأصدقائنا في مساندة جهود الشرعية الدولية، وصون مبادئ القانون الدولي، وضمان استقرار إمدادات الطاقة لصالح الجميع».


