تشهد العلاقات الأوروبية الإسرائيلية منعطفاً دبلوماسياً حرجاً، حيث دخلت إسرائيل في مواجهة دبلوماسية شرسة مع القارة الأوروبية. يأتي هذا التوتر على خلفية تحولات سياسية وتصلب في المواقف لدى حلفائها التقليديين، وفقاً لتقارير صحيفتي “الغارديان” البريطانية وموقع “بوليتيكو”. وصفت “الغارديان” الأسبوع الذي عاشته الحكومة الإسرائيلية بأنه “أسبوع سيئ”، مشيرة إلى مؤشرات قوية على تحول جوهري نحو فرض عقوبات أوروبية ومراجعة شاملة للعلاقات الثنائية.
خلفية تاريخية: شراكة استراتيجية تحت الاختبار
لطالما ارتبط الاتحاد الأوروبي وإسرائيل بشراكة استراتيجية عميقة ومتعددة الأوجه، تجسدت في “اتفاقية الشراكة” التي وُقعت عام 1995 ودخلت حيز التنفيذ عام 2000. هذه الاتفاقية لم تقتصر على الجوانب التجارية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل التعاون السياسي والثقافي والعلمي. يمثل الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، مما يمنحه نفوذاً اقتصادياً كبيراً. ومع ذلك، فإن هذه الشراكة كانت دائماً عرضة للتوترات بسبب الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، حيث يلتزم الاتحاد الأوروبي بمبدأ حل الدولتين ويدعم القانون الدولي وحقوق الإنسان. لطالما اعتبرت بروكسل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وشكلت هذه القضية نقطة خلاف رئيسية على مر السنين.
تغيرات قيادية وتصاعد الضغوط في العلاقات الأوروبية الإسرائيلية
يُعتبر التغيير الدراماتيكي في القيادة السياسية الأوروبية المحرك الرئيسي لهذا التحول. فبعد أن كان فيكتور أوربان، المدافع الشرس عن إسرائيل، يعطل أي تحرك جماعي ضدها داخل المجلس الأوروبي مستخدماً “حق النقض”، فإن صعود حكومة جديدة بقيادة بيتر ماجار في المجر قد أزال هذه العقبة. وأفادت مديرة برنامج العلاقات الأوروبية الإسرائيلية في مركز “ميتفيم” البحثي، مايا سيون-تزيدكياهو، بأن حق النقض المجري كان الشيء الوحيد الذي يمنع حزمة العقوبات ضد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية. ومن المتوقع أن تتعاون الإدارة المجرية الجديدة مع توجهات الاتحاد الأوروبي لمحاسبة المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية.
في خطوة لافتة، بدأت إيطاليا، التي كانت حليفاً وثيقاً لإسرائيل تحت قيادة جورجيا ميلوني، في الابتعاد عن حكومة بنيامين نتنياهو. فقد اتخذت روما خطوة دبلوماسية ملحوظة بتعليق اتفاقية التعاون الدفاعي مع إسرائيل، وهو ما وصفه دبلوماسي أوروبي بأنه “تحذير واضح”. هذا التحول الإيطالي يعكس ضغوطاً محلية متزايدة، حيث أشار المؤرخ السياسي لورينزو كاستيلاني إلى أن السياسة الخارجية الإيطالية أصبحت لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية شاغلاً مركزياً للرأي العام الإيطالي، نظراً للتبعات الجيوسياسية والاقتصادية المباشرة للصراع في الشرق الأوسط.
إسبانيا تقود الدعوة لمراجعة الشراكة
بلغ التوتر الدبلوماسي بين إسبانيا وإسرائيل ذروته في 19 أبريل 2026، عندما صعد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من لهجته ضد الحكومة الإسرائيلية. ووفقاً لموقع “بوليتيكو”، فقد حث سانشيز الاتحاد الأوروبي على إنهاء “اتفاقية الشراكة” مع إسرائيل، وهو الإطار القانوني الذي ينظم العلاقات التجارية والسياسية بينهما. وخلال تجمع حاشد في إقليم الأندلس، صرح سانشيز بأن “الحكومة التي تنتهك القانون الدولي أو مبادئ الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن تكون شريكاً”.
قدمت إسبانيا، إلى جانب أيرلندا وسلوفينيا، التماساً رسمياً إلى مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، لمراجعة التزامات إسرائيل بحقوق الإنسان، مستشهدين بالأوضاع غير المستقرة في قطاع غزة وتصاعد العنف في الضفة الغربية. هذه الخطوة تعكس تحولاً في القوة الاقتصادية إلى ضغط سياسي، حيث ذكرت “الغارديان” أن الاتحاد الأوروبي، على الرغم من كونه الشريك التجاري الأول لإسرائيل، واجه تاريخياً صعوبة في تحويل قوته الاقتصادية إلى نفوذ سياسي، إلا أن “خيار ممارسة الضغط عاد بقوة إلى الطاولة”.
تأثيرات متوقعة وتحديات أمام الاتحاد الأوروبي
تزايدت الضغوط الداخلية في أوروبا نتيجة لسلوك وزراء اليمين الإسرائيلي المتطرف وتصاعد العنف، مما يجعل تعليق “اتفاقية الشراكة” مع إسرائيل أمراً صعباً ولكنه ليس مستحيلاً. تتطلب مثل هذه الخطوة إجماع جميع الدول الأعضاء الـ 27. ومع ذلك، لا تزال مجموعة من الدول، بقيادة ألمانيا، تعارض إلغاء الاتفاقية، مفضلة نهجاً أكثر حذراً. يضاف إلى ذلك تخوف بعض الدول من أن تؤدي الإجراءات الفورية إلى عرقلة المفاوضات الحساسة الجارية بشأن الجبهة اللبنانية، مما قد يزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي.
على الرغم من أن الرأي العام الإسرائيلي لا يزال غير مبالٍ بمدى اعتماده الاقتصادي على الاتحاد الأوروبي، حيث أظهر استطلاع لمعهد “ميتفيم” أن 67% من الإسرائيليين يرون الاتحاد الأوروبي “خصماً”، إلا أن الواقع الدبلوماسي يشير إلى أن استراتيجية “فرق تسد” التي طالما استخدمها نتنياهو قد بلغت نهايتها. وخلصت “الغارديان” إلى أنه مع استعداد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي للاجتماع في لوكسمبورغ، يبدو أن انتقال القادة الأوروبيين نحو فرض عقوبات مالية على إسرائيل بات أمراً لا مفر منه، مما ينذر بمرحلة جديدة من التوتر في العلاقات الأوروبية الإسرائيلية وربما إعادة تشكيلها جذرياً.


