في تطور لافت أثار موجة من التكهنات والتحليلات، لم يكشف رئيس جهاز الموساد، ديفيد برنياع، خلال مراسم إحياء ذكرى عناصر الجهاز أمس (الثلاثاء)، سوى إشارات مقتضبة عن مقتل عميل الموساد M خارج البلاد. وصف برنياع عمليات هذا العميل بأنها “جمعت بين الإبداع والدهاء والتكنولوجيا”، مؤكداً إسهامه الكبير في نجاح الحملة ضد إيران. سرعان ما ربطت وسائل الإعلام الإسرائيلية والإيطالية هذه الإشارات بحادثة غرق غامضة وقعت في مايو 2023 ببحيرة ماجوري شمال ميلانو، قرب الحدود السويسرية، حيث يُعتقد أن العميل المشار إليه هو أحد الأربعة الذين لقوا حتفهم في تلك الواقعة المثيرة للجدل.
تُعد هذه الحادثة حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المواجهات السرية بين إسرائيل وإيران، التي غالبًا ما تُعرف بـ “صراع الظلال”. فمنذ عقود، انخرط الجانبان في حرب استخباراتية معقدة، تتضمن عمليات تخريب، اغتيالات، وهجمات سيبرانية تستهدف البرامج النووية والعسكرية الإيرانية، بالإضافة إلى جهود إيرانية مضادة تستهدف المصالح الإسرائيلية وحلفائها. الموساد، بصفته الذراع الاستخباراتي الرئيسي لإسرائيل، يلعب دورًا محوريًا في هذه الحرب الخفية، مستخدمًا شبكات عملاء واسعة النطاق في جميع أنحاء العالم لجمع المعلومات وتنفيذ العمليات السرية. عملية “زئير الأسد” التي أشار إليها برنياع، والتي لعب فيها عميل الموساد M دورًا محوريًا، هي على الأرجح جزء من هذه الاستراتيجية الشاملة لعرقلة الطموحات النووية الإيرانية أو إضعاف قدراتها العسكرية.
لغز بحيرة ماجوري: تفاصيل الحادثة وتساؤلات حول المهمة المشتركة
وفقًا للتقارير، كان القارب الذي غرق يحمل 21 شخصًا، منهم 11 عنصرًا من الموساد و10 مرتبطين بالمخابرات الإيطالية، كانوا يعملون ضمن شبكة مشتركة تنطلق من منزل يُستخدم كقاعدة عمليات في إيطاليا. خلال رحلة بحرية على متن قارب قديم، باغتتهم عاصفة مفاجئة على بعد مئات الأمتار من الشاطئ، مما أدى إلى انقلابه وغرقه ومقتل أربعة أشخاص، بينهم عميل الموساد M المزعوم. ما أثار الشكوك حول طبيعة المهمة هو السرعة التي تم بها نقل الإسرائيليين الآخرين الناجين بطائرة خاصة إلى تل أبيب، واختفاء بيانات تسجيلهم من الفندق الذي أقاموا فيه، مما أضاف طبقة من الغموض والأبعاد الاستخباراتية للحادثة. هذه الإجراءات السريعة وغير المعتادة تشير إلى حساسية بالغة للمعلومات المتعلقة بهؤلاء الأفراد وطبيعة عملهم.
تداعيات غرق عميل الموساد M: خسارة استخباراتية وأبعاد جيوسياسية
خسارة عميل بحجم “م” تُعد ضربة استخباراتية كبيرة للموساد، خاصة إذا كان قد لعب دورًا محوريًا في عمليات حساسة ضد إيران. فمثل هؤلاء العملاء يمتلكون خبرة ومعرفة يصعب تعويضها. على الصعيد الدبلوماسي، ورغم أن الحادثة لم تُعلن رسميًا كعملية استخباراتية، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى التنسيق والتعاون بين الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية والإيطالية، وتداعيات مثل هذه الحوادث على العلاقات الثنائية. كما أنها تسلط الضوء على المخاطر الجسيمة التي يواجهها العاملون في هذا المجال، حيث يمكن أن تتحول المهام الروتينية أو حتى فترات الراحة إلى حوادث مأساوية ذات أبعاد جيوسياسية. الحفاظ على سرية هوية عميل الموساد M والظروف المحيطة بوفاته يعكس الأهمية الاستراتيجية لدوره، وربما الرغبة في تجنب أي تصعيد أو كشف لشبكات استخباراتية أوسع.
بينما يظل الموساد متمسكًا بالصمت حيال هوية العميل “م”، كشفت تقارير إيطالية، مثل صحيفة “لا ريبوبليكا”، أن العميل يدعى إيريز شيموني. هذه التفاصيل، إلى جانب الإشارات الغامضة لرئيس الموساد، تؤكد أن حادثة بحيرة ماجوري لم تكن مجرد كارثة طبيعية، بل كانت نهاية فصل في حياة عميل سري، وربما بداية لفصل جديد من التكهنات حول طبيعة الحرب الخفية التي لا تتوقف بين القوى الإقليمية والدولية.


