يُعد الشاعر الكبير محمد الثبيتي قامة شعرية فريدة، ملأت الساحة الأدبية العربية وشغلت النقاد منذ ثمانينيات القرن الماضي. بأسلوبه المتفرد ورؤيته العميقة، استطاع الثبيتي أن يؤسس لتيار شعري خاص به، متجاوزًا الحدود الجغرافية والثقافية ليصبح رمزًا للحداثة الشعرية في المملكة العربية السعودية والعالم العربي. لقد أحدث ديوانه الشهير «التضاريس» صدىً واسعاً وحواراً متصلاً، ما دفع النقاد والأكاديميين لعقد المؤتمرات وكتابة المقالات والدراسات وتأليف الكتب حول تجربته، مقارنين إياه بكبار الشعراء الذين أحدثوا جدلاً مماثلاً كالمتنبي وأبي تمام والمعري.
محمد الثبيتي: رائد الحداثة الشعرية في السعودية
في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها القصيدة العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأت تتجه نحو التحرر من الأشكال التقليدية وتبني أساليب أكثر حداثة وتعبيرية، برز محمد الثبيتي كصوت شعري أصيل ومجدد. لقد جاءت تجربته الشعرية في وقت كانت فيه الساحة الأدبية السعودية والعربية تتوق إلى أصوات تعيد تعريف الشعر وتوسّع آفاقه. لم يكن الثبيتي مجرد شاعر يكتب قصائد جميلة، بل كان مفكرًا وفيلسوفًا شعريًا، سعى إلى تفكيك البنى التقليدية وإعادة تركيبها برؤية معاصرة، مستلهمًا من التراث ومستشرفًا للمستقبل.
ديوان «التضاريس»، الذي صدر في أوج هذه التحولات، لم يكن مجرد مجموعة شعرية عادية، بل كان بمثابة «البيان الشعري» للحداثة السعودية، كما وصفه الدكتور عبدالله الغذامي. لقد استطاع الثبيتي من خلاله أن يستنقذ «الصحراء» من دلالاتها الجغرافية البدوية الجامدة، ويحولها إلى رمز كوني وثقافي مليء بالحياة، يكتنز بالمعاني الفلسفية والوجودية. هذا التحول في توظيف المفردة والتراث منح شعره عمقًا وبعدًا عالميًا، وجعله محط أنظار النقاد والباحثين في مختلف الأقطار العربية.
فلسفة الثبيتي الشعرية: من المحلية إلى الكونية
تتميز تجربة محمد الثبيتي الشعرية بقدرتها الفائقة على المزج بين الأصالة والمعاصرة، وبين المحلية والكونية. لقد وصف الناقد جاسم الصحيح الثبيتي بأنه أصبح «أباً للحركة الشعرية»، مؤكداً أنه لم يكن ممكناً لشاعر حديث أن يبرز دون أن يتأثر بماء الثبيتي. هذا التأثير العميق نابع من قدرته على الغوص في التراث ومفردات البيئة الصحراوية، ليس كعناصر جامدة، بل كرموز حية تنبض بالحياة والقلق الوجودي للإنسان المعاصر.
في ديوانه الأخير «موقف الرمال موقف الجناس» (2005)، أعلن الثبيتي خروجه من «سجن التضاريس»، مشيرًا إلى صعوده إلى مرحلة جديدة من النضج الفني والروحي. وقد وصفه جاسم الصحيح بأنه تحول إلى «معلم صوفي وروحي»، و«الراهب الكبير الذي يعلم الأجيال بعده». هذه النظرة الصوفية والفلسفية التي تغلغلت في شعره، جعلت الجمهور يتوحد معه ويتغلغل في مشاعره، كما يرى الناقد محمد العباس، متلبسًا روح الصوفية في رأي سعد البازعي. لقد استل الثبيتي المفردة التراثية من ماضيها، وأعطاها طاقة دلالية جديدة قادرة على التعبير عن قلق الإنسان المعاصر واغترابه، وهو ما أكد عليه الراحل سعيد السريحي.
إرث محمد الثبيتي: تأثير عابر للأجيال والحدود
إن إرث محمد الثبيتي لا يقتصر على كونه شاعرًا مبدعًا فحسب، بل يمتد ليكون مؤسسًا لتيار شعري حديث، اخترق الخطاب الشعري السائد وأسس للغة شعرية جديدة. لقد أجمع النقاد على أنه «المعادل الموضوعي للحداثة الشعرية في المملكة»، والشاعر الذي نقل القصيدة المحلية من حدودها الجغرافية إلى فضائها الإنساني الرحب. وقد وصفه الناقد العراقي علي جعفر العلاق بأنه «شاعر رائي»، يمتلك القدرة على استنطاق روح الصحراء ورؤية ما لا يراه الآخرون، محولًا المفردات الجافة إلى ظواهر كونية ناطقة بالحياة والدفء.
تتجلى أهمية الثبيتي وتأثيره العابر للحدود في العدد الكبير من رسائل الماجستير والدكتوراه والدراسات والبحوث التي نُوقشت حول تجربته الشعرية في جامعات ومجلات علمية محكّمة في الجزائر ومصر والعراق وغيرها من الدول العربية والدولية. هذه الدراسات، التي استخدمت مناهج نقدية عالمية حديثة كالمناهج الأسلوبية والسيميائية، أثبتت أن لغة الثبيتي تمتلك شفرات عالمية قابلة للتفكيك والتحليل وفق أحدث النظريات النقدية الغربية (مثل نظريات رولان بارت وجوليا كريستيفا في التناص). هذا الاعتراف الأكاديمي الواسع يؤكد مكانته كظاهرة شعرية عالمية، تجاوزت المحلية لتلامس الوجدان الإنساني في كل مكان، وتترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الشعر العربي الحديث.


