spot_img

ذات صلة

إنترنت النخبة في إيران: تقسيم الشبكة وتأثيره على المجتمع

لم يعد انقطاع الإنترنت هو الأزمة الأكبر في إيران، بل الطريقة التي تدار بها عملية “إعادته”. فبدلاً من استعادة الشبكة كخدمة مفتوحة للجميع، بدأت السلطات الإيرانية برسم خريطة رقمية جديدة أكثر تعقيدًا، تُعرف بـ إنترنت النخبة في إيران. هذا النموذج الجديد لا يهدف إلى تقييد مؤقت، بل إلى تحويل جذري للوصول إلى المعرفة، من “حق عام” إلى “امتياز” يُمنح وفقًا للولاء أو المهنة. هذه السياسة تُشكل تحولًا جذريًا في المشهد الرقمي الإيراني، وتثير تساؤلات عميقة حول مستقبل حرية المعلومات والابتكار في البلاد.

جذور الرقابة الرقمية: سياق تاريخي للتحكم بالإنترنت في إيران

تعود جذور الرقابة على الإنترنت في إيران إلى سنوات طويلة، حيث سعت الحكومة باستمرار إلى فرض سيطرتها على تدفق المعلومات وحماية ما تعتبره “القيم الإسلامية والثورية”. منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت طهران في تطوير مفهوم “شبكة المعلومات الوطنية” (National Information Network – NIN)، والتي يُطلق عليها أحيانًا “الإنترنت الحلال”، بهدف إنشاء شبكة داخلية مستقلة عن الإنترنت العالمي. وقد تسارعت هذه الجهود بشكل ملحوظ في أعقاب الاحتجاجات الكبرى، مثل “الحركة الخضراء” عام 2009 واحتجاجات 2019، حيث أثبتت السلطات قدرتها على قطع الاتصال بالإنترنت العالمي بشكل شبه كامل للتحكم في التعبئة الشعبية ومنع انتشار المعلومات. هذه الإجراءات تُبرر غالبًا بدواعي الأمن القومي والحماية من “التأثيرات الثقافية الغربية”، بالإضافة إلى تعزيز الاقتصاد الرقمي المحلي.

من “الإنترنت الأبيض” إلى “إنترنت برو”: تطور استراتيجيات التحكم

بدأت القصة الأخيرة من أروقة الجامعات، حيث كشف معاون وزير العلوم، مهدي أبطحي، عن فتح الإنترنت الدولي حصريًا لأساتذة الجامعات عبر “قوائم رسمية”. لم تكن هذه الخطوة مجرد إجراء تقني، بل كانت إعلانًا عن مسار تدريجي يخطط لإدراج الباحثين ومراكز التفكير ضمن فئات “المسموح لهم بالاتصال”، بعد أسابيع من العزلة الرقمية التي كبدت الاقتصاد خسائر فلكية. النموذج الإيراني الجديد ليس وليد الصدفة، بل هو تطور لـ “الإنترنت الأبيض” الذي كان يُطبق سابقًا بشكل غير رسمي. والآن، برز نموذج أكثر تجريبية يُعرف بـ “إنترنت برو” (Pro Internet)، وهي خدمة موجهة لفئات مهنية محددة توفر اتصالًا مستقرًا، لكنها مشروطة بتحديد الهوية عبر جهات رسمية، مما يضمن للسلطات السيطرة الكاملة على من يحق له عبور الحدود الرقمية.

تداعيات إنترنت النخبة في إيران: الأثر على المجتمع والاقتصاد

تخلف هذه الهندسة الرقمية أرقامًا مفزعة. فبحسب عباس آشتياني، رئيس لجنة الاقتصاد الرقمي، كلف انقطاع الإنترنت الاقتصاد ما يقارب مليار دولار، بخسائر يومية تصل إلى 35 مليون دولار. ومع ذلك، يبدو أن السلطات تضع “السيطرة” في كفة و”الخسائر الاقتصادية” في كفة أخرى، مرجحةً الأولى على الدوام. يرى الحقوقي كامبيز نوروزي أن تقسيم الإنترنت يحمل تناقضًا قاتلًا، فلا يمكن لاقتصاد رقمي أن ينمو إذا كان الجمهور معزولًا. هذه السياسة تخلق “فجوة رقمية” عميقة داخل المجتمع، حيث يُحرم الغالبية من أبسط أدوات العصر، بينما تتمتع فئة قليلة بامتياز الوصول. هذا يؤثر سلبًا على التعليم، والابتكار، وريادة الأعمال، وحرية التعبير، ويزيد من عزلة إيران عن العالم الرقمي، مما قد يدفع الكفاءات إلى الهجرة بحثًا عن بيئة رقمية أكثر انفتاحًا.

صراع الروايات: بين التصريحات الرسمية والواقع الرقمي

بينما يخرج وزير الاتصالات ستار هاشمي والنائب الأول للرئيس محمد رضا عارف لينفيا وجود “إنترنت طبقي”، مؤكدين أنه حق لجميع المواطنين، يتشكل على الأرض واقع مختلف تمامًا. آلية “القوائم” التي بدأت مع الأكاديميين تُقرأ كإشارة إلى نظام يتوسع بصمت، حيث تتحول الشبكة العالمية إلى مساحة مخصصة للنخبة، بينما يُحرم الباقون من أبسط أدوات العصر. ومع توسع هذه الخطوة لتشمل العاملين المستقلين عبر كيانات مهنية، لم يعد السؤال في إيران: “متى يعود الإنترنت؟”، بل أصبح السؤال الأكثر إيلامًا: “من يُسمح له بأن يعيش في العالم الرقمي أولًا؟” هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي يعكس استراتيجية واضحة للتحكم في المعلومات وتشكيل المشهد الرقمي بما يخدم أجندة السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية وحقوق المواطنين الأساسية في الوصول إلى المعرفة.

spot_imgspot_img