مقدمة: أمسية أدبية في قلب جازان
في ليلةٍ أدبيةٍ بهيجةٍ، احتضن بيت الثقافة بجازان قامةً ثقافيةً بارزةً، الشاعر والمترجم ورئيس جمعية أدبي جازان، الأستاذ حسن أحمد الصلهبي. جاءت هذه الاستضافة ضمن فعاليات مميزة تزامنت مع اليوم العالمي للكتاب 2024، لتؤكد على الدور المحوري للمؤسسات الثقافية في إثراء المشهد الأدبي وتعزيز التواصل بين المبدعين وجمهورهم. شهدت الأمسية حضورًا لافتًا من الشعراء والأدباء والمثقفين، الذين تفاعلوا مع رحلة حسن الصلهبي بجازان في عالم الكلمة والشعر والترجمة.
جازان: منارة الثقافة والأدب
تُعد منطقة جازان، الواقعة في أقصى الجنوب الغربي للمملكة العربية السعودية، تاريخيًا وحضاريًا، منبعًا خصبًا للإبداع الأدبي والشعري. لطالما اشتهرت جازان بثرائها الثقافي وتنوعها الفني، حيث أنجبت العديد من الشعراء والأدباء الذين أثروا الساحة العربية بأعمالهم الخالدة. يأتي دور بيت الثقافة بجازان كجزء لا يتجزأ من هذا النسيج الثقافي الغني، حيث يعمل على استقطاب المواهب ودعم الحراك الأدبي، مقدمًا منصة حيوية للحوار وتبادل الأفكار. هذه الأمسيات الثقافية ليست مجرد فعاليات عابرة، بل هي لبنات أساسية في بناء الوعي الثقافي وتعزيز الهوية الوطنية، وتأكيدًا على مكانة جازان كمركز إشعاع ثقافي في المملكة والمنطقة، مما يسهم في الحفاظ على التراث الأدبي وتطويره.
رحلة الصلهبي: شغف الكلمة وعالمية الترجمة
خلال الأمسية، التي أدارها الأديب والقاص محمد الرياني ببراعة، استعرض الشاعر حسن الصلهبي مسيرته الأدبية الملهمة. بدأ حديثه مؤكدًا شغفه العميق بالقراءة منذ نعومة أظفاره، حين كان تلميذًا صغيرًا يكتشف سحر الأبجدية بين رفوف المكتبات المدرسية. هذا الشغف قاده لاحقًا إلى دراسة اللغة الإنجليزية في جامعة الملك سعود، مما فتح له آفاقًا واسعة نحو الأدب العالمي، إلى جانب إتقانه للأدب المحلي والعربي. تحدث الصلهبي عن أول دواوينه "عزف على أوتار مهترئة" الذي صدر عام 2004، معتبرًا إياه بداية رحلة نحو العالمية في عالم الشعر والترجمة. وقد أمتع الجمهور بقراءات من هذا الديوان، بالإضافة إلى نص مختار من ديوانه الثاني "خائنة الشبه" الصادر في نفس العام، مما أثار تفاعلاً كبيرًا وحوارًا ثريًا حول تجربته الشعرية التي تمزج بين الأصالة والمعاصرة.
الكتاب في العصر الرقمي: رفيق لا يغيب
في ظل الثورة الرقمية التي يشهدها عصرنا الحاضر، طرحت الأمسية سؤالاً جوهريًا حول مكانة الكتاب المطبوع. أكد الشاعر الصلهبي بثقة أن الكتاب سيظل "خير جليس"، محتفظًا بمكانته الكبيرة رغم التغيرات التكنولوجية المتسارعة. وأشار إلى أن هذه التحولات الرقمية هي جزء لا يتجزأ من حياتنا المعاصرة، ولا تمنع من الاستفادة من التقنية مع الحفاظ على قيمة الكتاب الورقي. وشدد على الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية، مثل بيت الثقافة بجازان، والمدارس في ترسيخ ثقافة القراءة لدى الأجيال الناشئة. فالقراءة، كما أوضح، ليست مجرد هواية، بل هي انعكاس حضاري للشعوب وأساس للتقدم المعرفي، والتوسع في خارطة القراءة يمنح المجتمعات العديد من الميزات التي تضمن للكتاب مكانته المستحقة في بناء الفكر وتشكيل الوعي.
إبداعات وطنية وتجارب فريدة
تطرق الصلهبي أيضًا إلى تجربته النوعية مع كتابه "بين يدي امرئ القيس"، حيث حاكى بأسلوبه الخاص معلقة امرئ القيس الشهيرة، وقرأ مقاطع من هذا الإصدار الذي صدر عام 2010 عبر نادي القصيم الأدبي، لاقت استحسانًا وتفاعلاً كبيرًا من الحضور. كما تحدث عن مهرجان القصيدة الوطنية الذي تنظمه جمعية أدبي جازان، واصفًا إياه بالمشروع الوطني الذي يجمع شعراء المملكة على مدى مواسم شعرية متعددة، وموضحًا أن النسخة التاسعة القادمة ستتزامن مع اليوم الوطني للمملكة، مما يعكس البعد الوطني لهذه الفعاليات الثقافية وأهميتها في تعزيز الانتماء. واختتم الأمسية بقصيدة وطنية بعنوان "سعودي"، لتكون مسك الختام لهذه الليلة الثقافية التاريخية التي احتفت بالكتاب والمؤلف في يومهما العالمي.
خاتمة: جازان ومستقبل القراءة
لقد كانت هذه الأمسية في بيت الثقافة بجازان أكثر من مجرد لقاء أدبي؛ فقد كانت احتفالاً بالكلمة، وتأكيدًا على أهمية القراءة في بناء الأجيال، وتكريمًا لمسيرة شاعر ومترجم كرس حياته للإبداع. الحوار الثري الذي أثراه الكاتب والقاص محمد الرياني والمداخلات المتعددة من الحضور، أبرزت الإنجاز الثقافي الذي تشهده جازان واهتمامها المتزايد بالكتاب، وهو ما يضعها في مصاف المدن الرائدة ثقافيًا، ويؤكد على طموحها بأن تكون "الأكثر قراءة في العام 2025"، وهو هدف يعكس رؤية واضحة لمستقبل ثقافي مشرق للمنطقة والمملكة ككل، ويسهم في تعزيز مكانة الأدب والثقافة على الصعيدين المحلي والدولي.


