spot_img

ذات صلة

الدفاع الروسية تعلن إحباط انقلاب مالي: تفاصيل وتداعيات

أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن نجاح قواتها، بالتعاون الوثيق مع الجيش المالي، في إحباط انقلاب مالي عسكري واسع النطاق استهدف العاصمة باماكو. جاء هذا الإعلان بعد هجمات منسقة شنتها مجموعات مسلحة ضمت أكثر من 12 ألف مسلح، استهدفت منشآت حيوية والقصر الرئاسي في المدينة. ويُعد هذا التطور الأمني الأخير مؤشرًا على استمرار التوترات العميقة التي تشهدها البلاد، وتأكيدًا على الدور المتزايد للقوات الروسية في دعم الاستقرار في مالي.

ووفقًا لبيان الوزارة الروسية، فإن المسلحين الذين نفذوا الهجمات تلقوا تدريبات على أيدي مرتزقة ومدربين أوكرانيين وأوروبيين، وحاولوا السيطرة على منشآت حيوية والقصر الرئاسي في باماكو. وأشار البيان إلى أن هؤلاء المسلحين استخدموا في تدريباتهم صواريخ محمولة على الكتف من طراز «ستينغر» و«ميسترال» الغربية، مما يثير تساؤلات حول مصادر دعمهم وتدريبهم. وقد أسفرت المواجهات عن مقتل وزير الدفاع المالي جراء تفجير عربة انتحارية مفخخة بالقرب من مقر إقامته، لكن القوات الحكومية المالية، بدعم من القوات الروسية، تمكنت من صد الهجوم وإلحاق خسائر فادحة بالمهاجمين.

مالي في مفترق الطرق: سياق تاريخي مضطرب

تأتي محاولة إحباط انقلاب مالي هذه في سياق تاريخي معقد من عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تعيشه البلاد منذ سنوات. فقد شهدت مالي سلسلة من الانقلابات العسكرية، أبرزها في عامي 2012 و2020 و2021، مما أدى إلى تدهور العلاقات مع الشركاء الغربيين التقليديين، وخاصة فرنسا. بدأت الأزمة الأمنية الكبرى في مالي عام 2012 مع تمرد الطوارق في الشمال، الذي سرعان ما تحول إلى سيطرة جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية على مساحات واسعة من البلاد. ورغم التدخل العسكري الفرنسي (عمليتا سرفال وبرخان) وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (مينوسما)، إلا أن التحديات الأمنية ظلت قائمة، مما دفع الحكومة الانتقالية في باماكو للبحث عن شركاء جدد.

هذا التحول في السياسة الخارجية لمالي أدى إلى تعزيز التعاون الأمني مع روسيا، وشهد انسحاب القوات الفرنسية وقوات مينوسما تدريجيًا. وقد أثار الوجود الروسي، ممثلاً بما يُعرف بـ«الفيلق الأفريقي» (الذي حل محل مجموعة فاغنر)، جدلاً واسعًا على الصعيد الدولي، لكنه حظي بدعم الحكومة المالية التي تعتبره ضروريًا لمكافحة الإرهاب واستعادة الأمن. وتؤكد هذه الأحداث الأخيرة على عمق التحديات التي تواجهها مالي، حيث تتداخل محاولات الانقلاب مع عمليات الجماعات المسلحة والإرهابية التي تستهدف زعزعة استقرار الدولة.

تداعيات إحباط انقلاب مالي: استقرار البلاد وأمن المنطقة

كانت العمليات العسكرية التي نفذتها القوات الروسية والمالية حاسمة في صد الهجمات. فقد نفذت مروحيات Mi-8 وMi-24 الروسية 21 طلعة جوية، على الرغم من تعرضها لنيران معادية، وقامت بضربات دقيقة على تجمعات المسلحين. كما نفذت طائرات Su-24 الهجومية 8 ضربات جوية. وأسفرت هذه العمليات عن مقتل أكثر من 175 مسلحًا، وتدمير 23 عربة، و33 دراجة نارية، بالإضافة إلى تدمير مدرعتين وعربة مفخخة واحدة، وفقًا للبيان الروسي.

إن إحباط انقلاب مالي له تداعيات كبيرة على استقرار البلاد والمنطقة بأسرها. فمالي تقع في قلب منطقة الساحل، التي تُعد بؤرة ساخنة للنشاط الإرهابي والجريمة المنظمة. أي زعزعة للاستقرار في مالي يمكن أن تمتد آثارها إلى الدول المجاورة، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي. كما أن هذا الحدث يسلط الضوء على التنافس الجيوسياسي المتزايد في أفريقيا، حيث تسعى قوى دولية مختلفة لتعزيز نفوذها. بالنسبة لروسيا، فإن نجاحها في دعم الحكومة المالية ضد محاولة الانقلاب يعزز من مكانتها كشريك أمني موثوق به في القارة، ويؤكد على استراتيجيتها في توسيع نفوذها في المناطق التي تشهد انسحابًا للقوى الغربية.

تُعد هذه التطورات امتدادًا للتوترات الأمنية المستمرة في مالي، حيث تواجه الحكومة العسكرية تحديات كبيرة من جماعات مسلحة انفصالية وإرهابية في شمال ووسط البلاد. ورغم النجاح في صد هذه المحاولة، فإن الطريق نحو الاستقرار الدائم في مالي لا يزال طويلاً ويتطلب جهودًا متواصلة لمواجهة التهديدات المتعددة التي تواجهها الدولة.

spot_imgspot_img