spot_img

ذات صلة

ارتفاع انتحار الجنود الإسرائيليين: أزمة نفسية متفاقمة

كشفت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية النقاب عن ارتفاع كبير ومقلق في حالات انتحار الجنود الإسرائيليين منذ بداية العام الحالي، مسجلة 15 حالة انتحار خلال الأشهر الأربعة الأخيرة وحدها. هذه الأرقام الصادمة تسلط الضوء على أزمة نفسية متفاقمة داخل صفوف الجيش والمؤسسات الأمنية، خاصة في أعقاب اندلاع حرب غزة في السابع من أكتوبر 2023، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على الصحة العقلية للعسكريين.

تداعيات الصراع المستمر: أزمة انتحار الجنود الإسرائيليين وسياقها النفسي

إن ظاهرة انتحار الجنود الإسرائيليين ليست جديدة تمامًا، لكن وتيرتها المتسارعة حاليًا تستدعي وقفة جادة. لطالما واجهت الجيوش في جميع أنحاء العالم تحديات نفسية كبيرة بسبب طبيعة الخدمة العسكرية، خاصة في مناطق الصراع النشط. فالتجارب القتالية، والتعرض المستمر للعنف، ومشاهدة الفظائع، والضغط النفسي الناتج عن المسؤولية الكبيرة، كلها عوامل تساهم في تفاقم الاضطرابات النفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، والاكتئاب، والقلق. في السياق الإسرائيلي، حيث الخدمة العسكرية إلزامية والصراع دائم، يتعرض الجنود لضغوط فريدة ومستمرة، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص لهذه المشكلات. تاريخيًا، سجل الجيش الإسرائيلي حالات انتحار سنوية، لكن الأرقام الحالية تشير إلى تجاوز غير مسبوق للمعدلات الطبيعية، مما يعكس حجم الأزمة الراهنة.

أرقام مقلقة وتحديات الدعم النفسي

وفقًا لـ«هآرتس»، انتحر ما لا يقل عن 10 جنود في الخدمة منذ بداية عام 2025 (مع الأخذ في الاعتبار أن التقرير نُشر في أبريل 2025)، منهم 6 جنود في شهر أبريل وحده. كما انتحر 3 جنود احتياط بعد خروجهم من الخدمة خلال الحرب الجارية في أبريل، بالإضافة إلى عنصري شرطة، أحدهما مجند في شرطة حرس الحدود. هذه المعطيات تشير إلى استمرار ارتفاع حالات الانتحار داخل الجيش والمؤسسات الأمنية منذ اندلاع حرب غزة. وقد أقرت مصادر عسكرية للصحيفة بأن المؤسسة تواجه صعوبة في اتخاذ خطوات فعالة للحد من الظاهرة، خصوصًا في الحالات التي لا يسعى فيها الجنود الذين يعانون من ضائقة نفسية إلى تلقي العلاج. ونقلت الصحيفة عن مسؤول رفيع في إدارة الموارد البشرية بالجيش الإسرائيلي قوله: «في بداية الحرب اعتقدنا أننا سنسيطر على الوضع، لكنه انفجر في وجوهنا».

عزا عدد من الضباط في الإدارة حالات الانتحار في أبريل إلى فعاليات «يوم الذكرى»، إلا أن خبراء في الصحة النفسية شككوا في هذا التفسير، مشيرين إلى أنهم لم يلاحظوا ارتفاعًا كبيرًا في مثل هذه الفترات في السنوات السابقة. هذا التباين في التفسيرات يسلط الضوء على عدم وجود فهم شامل أو اعتراف كامل بحجم المشكلة وأسبابها الجذرية.

تجاهل الدعم النفسي وتفاقم الأزمة

في خطوة مثيرة للجدل، قرر الجيش الإسرائيلي في فبراير الماضي إلغاء جلسات التأهيل النفسي لجنود الاحتياط التي كانت تُعقد قبل عودتهم إلى الحياة المدنية. ورغم أن الجيش أعاد هذه الجلسات جزئيًا بعد تصاعد التوترات الإقليمية، إلا أن هذا الإلغاء الأولي يعكس قصورًا في إدراك أهمية الدعم النفسي المستمر. كما أشارت الصحيفة إلى أن الجيش يواصل ممارسة ضغوط على الجنود الذين يعانون من اضطرابات نفسية للحضور إلى الخدمة، ويهددهم بالاعتقال في حال الرفض، مما يزيد من معاناتهم ويجعلهم أكثر عرضة للمخاطر. هذه الممارسات لا تتجاهل فقط احتياجات الجنود النفسية، بل قد تدفعهم إلى حافة الهاوية.

تأثير الحرب على الصحة النفسية للجنود

قبل حرب غزة، بلغ متوسط حالات الانتحار في الجيش الإسرائيلي 12 حالة سنويًا. لكن منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى نهاية العام نفسه، انتحر 7 جنود في الخدمة. وفي عام 2024، بلغ العدد 21 جنديًا، وتوقع أن يصل إلى 22 في عام 2025، وهو أعلى رقم خلال 15 عامًا. هذه الأرقام الرسمية لا تعكس الصورة الكاملة، حيث لا تشمل الجنود الذين ينتحرون بعد إنهاء خدمتهم. وفي تقارير سابقة، أعلن الجيش عن 15 حالة انتحار بعد انتهاء الخدمة بحلول نهاية عام 2025، لكن «هآرتس» أكدت وجود 4 حالات إضافية على الأقل منذ ذلك الحين، 3 منها في أبريل الجاري. كما تم تسجيل حالات لجنود شاركوا في حروب سابقة وتم تشخيصهم باضطراب ما بعد الصدمة بعد 7 أكتوبر، ثم انتحروا. ووزارة الدفاع حددت أيضًا حالات لجنود احتياط عانوا من ضائقة نفسية وتوفوا بسبب جرعات زائدة من المخدرات أو الكحول بعد تسريحهم. هذه الإحصائيات المرتفعة تؤكد على الأثر المدمر للحرب المستمرة على الصحة النفسية للجنود، وتستدعي مراجعة شاملة لبرامج الدعم والرعاية المقدمة لهم.

spot_imgspot_img