في لفتة تعكس عمق الفهم الإنساني وقيم القيادة الرشيدة، قدم معالي الدكتور عصام بن سعيد، وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء، نموذجاً عملياً في التواضع في العمل وترسيخ القيم النبيلة. خلال جلسة حوارية أقيمت في جامعة الملك سعود، أكد معاليه على أهمية الاستفادة من كبار السن والبسطاء، واصفاً إياهم بـ “مدارس في الحياة” تدعو إلى استلهام خبراتهم وتجاربهم الثرية في مختلف مناحي الحياة. هذه الدعوة تأتي في سياق عالمي ومحلي يتزايد فيه الحديث عن أهمية القيادة الأخلاقية والقدرة على التعلم المستمر من كافة المستويات.
التواضع في العمل: ركيزة للقيادة الملهمة
تُعد قيمة التواضع من الركائز الأساسية التي تبني عليها المجتمعات المتحضرة، وتكتسب أهمية خاصة في سياق القيادة والإدارة. ففي الثقافة العربية والإسلامية، لطالما كان التواضع سمة من سمات القادة الحكماء والعلماء الأجلاء، الذين يرون في كل إنسان مصدراً محتملاً للمعرفة والفائدة. تصريحات الدكتور عصام بن سعيد ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي تأكيد على هذا المبدأ الأصيل، وتذكير بأن السعي نحو الكمال في العمل لا يعني الغطرسة أو إغفال آراء الآخرين. لقد شدد معاليه على أنه “لا كمال في العمل”، وأن الحكمة قد تأتي من مصادر غير متوقعة، مثل “السائق” أو “الفراش”، معبراً بذلك عن تقديره العميق لكل المهن ودورها في نسيج المجتمع.
هذا النهج يعكس رؤية متكاملة للقيادة، تتجاوز حدود المنصب لتصل إلى جوهر التأثير الإيجابي. فالمسؤول الذي يتقي الله في عمله ويخلص لوطنه وولاة أمره، لا بد أن يتحرى الدقة في أدائه، مع إدراكه التام بأن التعلم عملية مستمرة لا تتوقف عند أي مستوى. وقد حذر معاليه من الوقوع في وهم الكمال أو الغطرسة مهما بلغ الإنسان من مكانة، مؤكداً أن بيئة العمل تزخر بمصادر متعددة للفائدة. وأشار إلى أنه يستفيد من أطروحات المستشارين والباحثين الذين يعملون معه، وفي الوقت ذاته، قد يأتي سائق أو موظف بسيط بآراء قيّمة تستحق الأخذ بها، مما يؤكد أن الحكمة قد تنبع من أي موقع أو دور.
الحكمة المتجددة: دروس من الحياة اليومية
تتجاوز أهمية هذه التصريحات مجرد النصيحة الفردية لتشكل دعوة لبناء ثقافة مؤسسية واجتماعية أكثر شمولاً واحتراماً. ففي عالم يتسم بالتغير السريع والتعقيد المتزايد، تصبح القدرة على الاستماع والتعلم من الجميع، بغض النظر عن خلفياتهم أو مناصبهم، ميزة تنافسية حقيقية. إن تبني مبدأ أن “مهما بلغ الإنسان، يظل في دائرة التعلم، حتى من أبسط الناس” يفتح الأبواب أمام الابتكار وحل المشكلات بطرق غير تقليدية. وقد استشهد الدكتور عصام بن سعيد بتجارب واقعية، منها قصة الدكتور محمود السقا، وكيف كان يستفيد من آراء البسطاء في بعض المواقف، ما يعكس عمق الفهم لقيمة الإنسان بعيداً عن الألقاب والمناصب. هذه القصص الملهمة ترسخ فكرة أن الخبرة ليست حكراً على فئة معينة، وأن كل فرد يحمل في طياته مخزوناً من التجارب والمعارف يمكن أن يثري العمل والحياة.
بناء ثقافة عمل شاملة ومحترمة
إن ترسيخ قيم التواضع في العمل وتقدير جميع المساهمات له تأثيرات إيجابية واسعة النطاق، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. فعلى الصعيد المحلي، يعزز هذا النهج من بيئة العمل الصحية التي تشجع على التعاون والابتكار، ويقلل من الحواجز بين المستويات الإدارية المختلفة. كما أنه يساهم في رفع الروح المعنوية للموظفين من كافة الفئات، ويشعرهم بقيمتهم وأهمية دورهم، مما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية وجودة الأداء. وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج يحتذى به في تعزيز القيم الإنسانية والأخلاقية في القيادة، بما يتماشى مع رؤية 2030 التي تهدف إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، حيث يكون الإنسان هو محور التنمية.
قيم خالدة: البر وصلة الرحم كنموذج
لم تقتصر مداخلة الدكتور عصام بن سعيد على الجانب المهني فحسب، بل امتدت لتشمل الجانب القيمي والإنساني. فقد تحدث معاليه عن أهمية بر الوالدين وصلة الرحم، مبيناً أنه قضى سنوات إلى جانب والديه رغم امتلاكه منزلاً مستقلاً، مؤكداً أن ما تحقق له من توفيق يعود بعد الله إلى بره بوالديه، وأن صلة الأرحام تأتي في مقدمة أولوياته، خصوصاً العلاقة مع الأخت. هذه الشهادة الشخصية تعزز من مصداقية دعوته للتواضع والتقدير، وتؤكد أن القيم الإنسانية الأصيلة هي أساس النجاح في كل جوانب الحياة. وقد جاءت مداخلة الوزير بأسلوب بسيط وصادق، عكست عمق التجربة الإنسانية، ما دفع إلى تفاعل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإشادة بما حملته من رسائل أخلاقية وإنسانية تعزز قيم التواضع والاحترام والترابط الاجتماعي.


