في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، ومع استمرار الجهود الدبلوماسية المتأرجحة، أعلن البنتاغون مؤخرًا أن الولايات المتحدة أنفقت ما يقارب 25 مليار دولار على ما وصفه بـ«الحرب على إيران» حتى الآن. يأتي هذا الإعلان في وقت تتسم فيه العلاقات الأمريكية الإيرانية بحالة من التعقيد الشديد، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجية مع التحديات الأمنية والاقتصادية. وقد جاء هذا الكشف بالتزامن مع رد إيراني حاد من رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذي اتهم واشنطن بمحاولة تحويل بلاده إلى نموذج شبيه بفنزويلا، مؤكدًا فشل هذه المساعي.
تكلفة المواجهة: إعلان البنتاغون وأبعاده
أوضح القائم بأعمال المراقب المالي لأعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي، جولز هيرست، أن هذا الرقم يمثل أول تقدير رسمي لتكاليف المواجهة مع إيران، مشيرًا إلى أن معظم هذه الأموال أُنفقت على «الذخائر» أو ما يمكن تفسيره بأنه جهود الردع. من جانبه، اعتبر وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، أن طلب ميزانية العام القادم سيمكن البنتاغون من تحقيق رسالته في إرساء السلام عبر القوة، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تواجه بيئة معقدة من التهديدات في ميادين العمليات المختلفة. وشدد على أن «البنتاغون» يعيد بناء قاعدته الصناعية الدفاعية، معتبرًا أن الطريقة التي سيعيد بها بناء الجيش ستثير إعجاب الأمريكيين.
ولفت هيغسيث إلى أن «الحرب على إيران» حققت أشكالًا متعددة من النجاح العسكري خلال أسابيع فقط، بهدف صون سلامة الشعب الأمريكي. وأكد أن تدمير القدرات الإيرانية النووية هو أحد أهداف هذه العمليات العسكرية، على الرغم من استمرار الطموحات النووية الإيرانية. وشدد على أن واشنطن تراقب منشآت إيران «على مدار الساعة»، معتبرًا أن الإنفاقات السيئة التي أبرمتها الإدارات الأمريكية السابقة مع إيران سمحت لها بتمويل أذرعها في المنطقة. وفي سياق متصل، دعا الوزير الأمريكي إلى ضرورة صياغة نسخة جديدة من حلف شمال الأطلسي (الناتو) تعيد الحلفاء إلى جذورهم القتالية مع تحمل مسؤولياتهم.
جذور التوتر: تاريخ طويل من الصراع في العلاقات الأمريكية الإيرانية
تعود جذور التوتر في العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى عقود مضت، وتحديدًا منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وسقوط نظام الشاه، وما تبعها من أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران. هذه الأحداث شكلت حجر الزاوية لعداء مستمر بين البلدين، تعزز عبر سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية والتدخلات الإقليمية. شهدت العلاقة فصولًا متعددة من التصعيد، أبرزها برنامج إيران النووي الذي أثار قلق المجتمع الدولي، وصولًا إلى توقيع الاتفاق النووي (خطّة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، والذي رفع بموجبه جزء من العقوبات مقابل قيود على البرنامج النووي الإيراني.
لكن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في عام 2018، في عهد الرئيس دونالد ترامب، وإعادة فرض سياسة «الضغط الأقصى»، أعاد العلاقات إلى مربع التوتر الشديد. تصاعدت الأحداث بشكل دراماتيكي مع اغتيال الجنرال قاسم سليماني في يناير 2020، ورد إيران بضربات صاروخية على قواعد أمريكية في العراق، مما دفع المنطقة إلى حافة صراع أوسع. هذه الخلفية التاريخية المعقدة تفسر جزئيًا التصريحات المتبادلة وتكاليف المواجهة التي أعلنها البنتاغون.
الرد الإيراني: قاليباف يتهم واشنطن بمحاولات «الفنزلة»
في المقابل، جاء الرد الإيراني على لسان رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، الذي أكد أن أمريكا سعت لتحويل إيران إلى نموذج شبيه بفنزويلا، لكنها فشلت في تحقيق هدفها. وأشار قاليباف إلى أن واشنطن حاولت أيضًا تفعيل الانفصاليين المدعومين غربيًا داخل إيران، لكن هذه المحاولات باءت بالفشل كذلك. وأضاف أن أمريكا سعت في بداية «الحرب» لإسقاط النظام خلال ثلاثة أيام عبر اغتيال المرشد والقادة العسكريين، لكنها لم تنجح في ذلك.
وتابع قاليباف أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس الضغط الاقتصادي وتثير الانقسام الداخلي لإضعاف إيران أو حتى إسقاطها، مشددًا على أهمية الحفاظ على الوحدة الداخلية لمواجهة هذه التحديات. ونفى قاليباف ما يتردد عن وجود انقسام داخلي، مؤكدًا أن جميع المسؤولين في إيران ملتزمون بأوامر المرشد الأعلى علي خامنئي، وأن إدارة الأمور تتم بوحدة كاملة بين المسؤولين العسكريين والسياسيين.
تداعيات الصراع: تأثيرات تتجاوز الحدود
إن التوترات المستمرة في العلاقات الأمريكية الإيرانية لها تداعيات واسعة النطاق تتجاوز حدود البلدين. على الصعيد المحلي، تعاني إيران من آثار العقوبات الاقتصادية التي أدت إلى تدهور الأوضاع المعيشية وتزايد الضغوط على الحكومة، مما قد يؤثر على الاستقرار الداخلي. إقليميًا، تتجلى هذه التوترات في صراعات بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق ولبنان، حيث تتنافس القوى الإقليمية والدولية على النفوذ، مما يفاقم الأزمات الإنسانية ويزعزع الأمن الإقليمي. كما أن أمن الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات النفط العالمية، يبقى مهددًا بأي تصعيد.
وعلى الصعيد الدولي، تثير هذه المواجهة مخاوف بشأن انتشار الأسلحة النووية، وتؤثر على أسعار الطاقة العالمية، وتضع تحديات أمام الدبلوماسية الدولية الساعية لتهدئة الأوضاع. إن استمرار هذا النمط من المواجهة، سواء كانت عسكرية مباشرة أو اقتصادية غير مباشرة، يهدد بتقويض أي جهود لإرساء الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، ويستدعي حلولًا دبلوماسية شاملة تتجاوز مجرد إدارة الأزمات.


