ترمب يرفض المقترح الإيراني الجديد: تصعيد أم طريق مسدود في الأزمة؟
في خطوة تعكس استمرار سياسة الضغط الأقصى، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب اليوم رفضه القاطع للمقترح الإيراني الجديد للسلام المكون من 14 بندًا. هذا المقترح، الذي قدمته طهران، تضمن مناقشة تجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 15 عامًا في مرحلة ثانية، والموافقة على فتح مضيق هرمز تدريجيًا مقابل رفع الحصار البحري. وقد نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن ترمب قوله: «اطلعتُ على المقترح الإيراني الجديد وهو غير مقبول والمعركة تسير بشكل ممتاز». من جانبه، أكد مدير المجلس الاقتصادي في البيت الأبيض، كيفن هاسيت، أن الحصار البحري المفروض على إيران ينجح ويضع قدرًا هائلاً من الضغط، مشيرًا إلى أن تهديدات طهران بإغلاق مضيق هرمز لم تمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى إيران. وأضاف هاسيت في تصريحات صحفية أن اقتصاد إيران على شفا كارثة كبيرة، وأن هناك بوادر لظهور الجوع.
جذور التوتر: سياق العلاقات الأمريكية الإيرانية
لفهم أبعاد رفض المقترح الإيراني الجديد، من الضروري استعراض السياق التاريخي للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران. تصاعدت التوترات بشكل كبير منذ انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018. هذا الانسحاب، الذي جاء بناءً على اعتقاد واشنطن بأن الاتفاق لم يكن كافيًا لكبح جماح برنامج إيران النووي أو سلوكها الإقليمي، أدى إلى إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران. تهدف سياسة “الضغط الأقصى” الأمريكية إلى إجبار إيران على التفاوض على اتفاق جديد وأكثر شمولاً يتناول برنامجها الصاروخي، ودعمها للجماعات المسلحة في المنطقة، بالإضافة إلى برنامجها النووي. وقد ردت إيران على هذه الضغوط بتقليص تدريجي لالتزاماتها بموجب الاتفاق النووي، مما زاد من حدة الأزمة.
تفاصيل المقترح الإيراني الجديد: محاولة للتهدئة؟
المقترح الإيراني الجديد، الذي كشف عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، كان يهدف إلى وقف الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان. وأكد بقائي أنه لا توجد مفاوضات نووية في هذه المرحلة ضمن المقترح. تضمنت المرحلة الأولى من المقترح وقف إطلاق النار بالكامل لمدة 30 يومًا كحد أدنى، وتشكيل مرجعية دولية لضمان عدم العودة إلى الحرب، ووقف الحرب في كل المنطقة، وتعهد إيراني أمريكي متبادل بعدم الاعتداء يشمل حلفاء إيران في المنطقة وإسرائيل. كما اقترح المقترح في مرحلته الأولى فتح مضيق هرمز تدريجيًا، وتولي إيران مسؤولية التعاون مع الألغام، وعدم منع تقديم الدعم الأمريكي. أما المرحلة الثانية، فقد تضمنت مناقشة فكرة تجميد كامل لعمليات تخصيب اليورانيوم لسقف زمني قد يصل إلى 15 عامًا، على أن تعود إيران للتخصيب بنسبة 3.6% بعد السقف الزمني وفق مبدأ صفر تخزين، ورفض المقترح تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية أو تدمير المنشآت الإيرانية، مع بحث مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بين الترحيل إلى الخارج أو ترقيق نسبة التخصيب. وشدد المقترح على ضرورة وجود آلية واضحة لرفع العقوبات مقابل الإجراءات النووية، والإفراج عن الأموال المجمدة تدريجيًا. كما لفت المقترح إلى أن طهران طرحت الدخول في حوار استراتيجي مع المحيط العربي والإقليمي لبناء نظام أمني يشمل جميع المنطقة، ويتضمن وقفًا لإطلاق النار في المنطقة وفي كل الساحات، وعدم مهاجمة إيران وحلفائها لقوات أمريكا بالمنطقة وإسرائيل مقابل عدم مهاجمة إيران.
لماذا رفضت واشنطن المقترح الإيراني الجديد؟
يعكس رفض واشنطن للمقترح الإيراني الجديد تمسكها الشديد بسياسة الضغط الأقصى وعدم استعدادها لتقديم تنازلات في هذه المرحلة. ترى الإدارة الأمريكية أن العقوبات الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها، وأن إيران في موقف ضعف يدفعها لتقديم مثل هذه المقترحات. تصريحات ترمب وهاسيت تؤكد هذا التوجه، حيث يعتبرون أن “الحصار” ينجح وأن الاقتصاد الإيراني يعاني بشدة. من منظور واشنطن، فإن المقترح الإيراني لا يلبي الشروط الأمريكية الأساسية التي تتجاوز مجرد القضية النووية لتشمل سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي. كما أن المقترح قد يُنظر إليه على أنه محاولة من إيران لتخفيف الضغط دون تقديم ضمانات كافية بشأن وقف أنشطتها التي تعتبرها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تضمين المقترح لشرط عدم مهاجمة حلفاء إيران في لبنان قد يُفسر على أنه محاولة لإضفاء الشرعية على نفوذها الإقليمي.
تداعيات الرفض: مستقبل التوترات الإقليمية
إن رفض المقترح الإيراني الجديد يعني استمرار حالة الجمود في العلاقات الأمريكية الإيرانية، وعدم وجود أفق قريب لحل دبلوماسي شامل. هذا الوضع يزيد من مخاطر التصعيد في منطقة الخليج، التي شهدت بالفعل حوادث متكررة استهدفت ناقلات النفط ومنشآت حيوية. استمرار التوترات يؤثر سلبًا على استقرار أسعار النفط العالمية وحركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، الذي يعد شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. كما أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة على إيران قد تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل البلاد، مما قد يولد مزيدًا من عدم الاستقرار الداخلي. على الصعيد الإقليمي، فإن غياب الحوار الفعال قد يدفع الأطراف الإقليمية إلى مزيد من التمترس خلف مواقفها، مما يعقد أي جهود مستقبلية للتهدئة أو بناء نظام أمني إقليمي مستدام. يبقى مستقبل العلاقات بين واشنطن وطهران معلقًا بين سياسة الضغط الأقصى ومحاولات إيران لإيجاد مخرج من الأزمة، مع استمرار خطر التصعيد كخيار قائم.


