spot_img

ذات صلة

تونس: سجن قيادات النهضة في قضية بيع الجنسية التونسية للإرهابيين

في تطور قضائي هز المشهد السياسي التونسي، أصدرت محكمة تونسية أحكامًا بالسجن بحق قيادات بارزة في حركة النهضة الإخوانية، وذلك في إطار ما بات يُعرف بـ قضية بيع الجنسية التونسية وإصدار جوازات سفر لأشخاص مطلوبين في قضايا إرهابية. وقد قضت المحكمة الابتدائية المتخصصة بالنظر في قضايا الإرهاب، اليوم الأربعاء، بأحكام أولية قابلة للطعن، شملت السجن لمدة 20 عامًا بحق القيادي نورالدين البحيري، و30 عامًا غيابيًا بحق معاذ الغنوشي، نجل رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وعدد من الأجانب المتورطين.

وتفصيلاً، قضت المحكمة حضوريًا بالسجن 20 عامًا في حق القياديين بحركة النهضة، نورالدين البحيري وفتحي البلدي. كما أصدرت أحكامًا بالسجن لمدة 11 عامًا بحق متهمين اثنين آخرين بحالة سراح. وفيما يتعلق بالمتهمين بحالة فرار (هاربين)، قضت المحكمة غيابيًا بسجن معاذ الغنوشي، رفقة عدد من الأجانب، 30 عامًا مع النفاذ العاجل. وتتعلق القضية بتسليم جوازات سفر تونسية وأوراق هوية لأجانب مطلوبين في قضايا إرهابية، مما يثير تساؤلات جدية حول الأمن القومي للبلاد.

خلفيات قضية بيع الجنسية التونسية: شبكة فساد أمنية

بدأت السلطات التونسية في نوفمبر 2022 تحقيقات موسعة شملت 14 شخصًا، من بينهم 11 موظفًا من وزارات الداخلية والخارجية والعدل، بتهم متعددة أبرزها بيع الجنسية التونسية ومنح جوازات سفر لإرهابيين. وكشفت التحقيقات، وفقًا للمحكمة الابتدائية بتونس، عن تورط قنصل سابق لتونس لدى سوريا، ورئيس مكتب قنصلي سابق، وموظفين بقسم الحالة المدنية بتونس، بالإضافة إلى أربعة موظفين تابعين لوزارة الداخلية. ويُشتبه في تورط هذه الشبكة في بيع الجنسية التونسية لصالح سوريين، يُرجح أن من بينهم عناصر إرهابية، لتمكينهم من الحصول على جوازات سفر وبطاقات هوية تونسية، مما يسهل حركتهم وتخفيهم.

ويُتهم البحيري، الملقب بـ”مهندس الصفقات المشبوهة” للإخوان في تونس، والعقل المدبر للجماعة، بالعديد من التهم في هذه القضية، أبرزها منح إرهابيين الجنسية التونسية ومحاولة إتلاف ملفات تثبت علاقة حركة النهضة بالاغتيالات السياسية. أما فتحي البلدي، القيادي الإخواني والمسؤول السابق بوزارة الداخلية، فقد ارتبط اسمه بما يُعرف بـ”الجهاز السري” لحركة الإخوان داخل وزارة الداخلية، حيث شغل منصب مستشار لوزير الداخلية الإخواني الأسبق علي العريض، ويُعتبر رجل الظل الذي زرعته حركة النهضة عام 2012 في وزارة الداخلية، وعمل على عملية انتداب الأمنيين تحت شرط الولاء لتنظيم الإخوان.

تداعيات حكم قضائي يزلزل المشهد السياسي التونسي

تأتي هذه الأحكام في سياق سياسي تونسي مضطرب، شهد منذ ثورة 2011 صعودًا وتراجعًا لحركة النهضة التي هيمنت على المشهد السياسي لسنوات. ومع تولي الرئيس قيس سعيد السلطة، تصاعدت حملة مكافحة الفساد وتفكيك ما أسماه بـ”الدولة العميقة”، مستهدفًا بشكل خاص رموزًا من حركة النهضة. وكان الرئيس سعيد قد اتهم في سبتمبر 2021 جهات لم يسمها ببيع وثائق تتيح الحصول على الجنسية مقابل مبالغ مالية تُقدر بنحو 34 ألف دولار، وهو ما يتقاطع مع تفاصيل هذه القضية.

إن هذه الأحكام القضائية تحمل أهمية بالغة على الصعيد المحلي، فهي لا تمثل مجرد إدانة جنائية لأفراد، بل هي ضربة قوية لمكانة حركة النهضة وتأثيرها السياسي، وتؤكد على جدية السلطات في مكافحة الفساد والإرهاب. كما أنها تعزز ثقة الرأي العام في استقلالية القضاء وقدرته على محاسبة المتورطين، بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم السياسية، مما يساهم في ترسيخ مبدأ سيادة القانون ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة.

الأمن القومي التونسي ومكانتها الدولية على المحك

على الصعيد الإقليمي والدولي، تكتسب هذه القضية أبعادًا خطيرة تتعلق بالأمن القومي التونسي ومكانة البلاد على الساحة الدولية. فمنح الجنسية وجوازات السفر لأشخاص يُشتبه في تورطهم بالإرهاب يمثل تهديدًا مباشرًا لأمن تونس، وقد يسهل حركة الإرهابيين عبر الحدود، مما يعرض البلاد لمخاطر أمنية جسيمة. كما أن هذه الممارسات تضر بسمعة تونس كدولة ملتزمة بمكافحة الإرهاب، وتؤثر سلبًا على تعاونها الأمني مع الشركاء الدوليين.

هذه الأحكام تبعث برسالة واضحة للمجتمع الدولي حول جدية تونس في التصدي لشبكات الفساد والإرهاب، وتؤكد التزامها بالمعايير الدولية في مكافحة تمويل الإرهاب وتسهيل حركته. إن الكشف عن هذه الشبكة ومحاسبة المتورطين فيها يعزز من مصداقية تونس في جهودها لمكافحة الإرهاب، ويساهم في استعادة الثقة الدولية في قدرتها على حماية حدودها ومؤسساتها من الاختراق، في منطقة تشهد تحديات أمنية متزايدة.

spot_imgspot_img