يواجه زعيم حزب العمال البريطاني، كير ستارمر، أزمة سياسية متصاعدة داخل حزبه بعد خسارة قاسية في الانتخابات المحلية الأخيرة. هذه النتائج السلبية فتحت الباب أمام حديث متزايد عن «تمرّد حزبي» قد يهدد مستقبله السياسي على رأس الحزب. تشير التقارير إلى أن عدداً من نواب الحزب بدأوا يشككون في قدرة ستارمر على قيادة حزب العمال نحو الفوز في الانتخابات العامة القادمة، خاصة مع صعود شعبية نايجل فاراج وحزب «إصلاح بريطانيا».
خلفية الأزمة: تاريخ حزب العمال وتحديات العصر
تاريخياً، لطالما كان حزب العمال أحد القوتين السياسيتين الرئيسيتين في المملكة المتحدة، متناوباً على السلطة مع حزب المحافظين. شهد الحزب فترات مجد تحت قيادات مثل كليمنت أتلي وتوني بلير، لكنه واجه تحديات كبيرة منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، وتفاقمت هذه التحديات بعد استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) في 2016. بعد الهزيمة الكارثية في الانتخابات العامة لعام 2019، والتي كانت الأسوأ للحزب منذ عام 1935، تولى كير ستارمر زعامة الحزب خلفاً لجيريمي كوربين، متعهداً بإعادة بناء الثقة وتوحيد الصفوف. كان الهدف الأساسي لستارمر هو استعادة الناخبين التقليديين لحزب العمال في المناطق الصناعية التي تحولت نحو المحافظين أو الأحزاب الشعبوية. ومع ذلك، فإن مسيرته لم تكن خالية من العقبات، حيث يجد نفسه الآن في مواجهة ضغوط داخلية متزايدة، لا سيما مع عدم قدرته على تحقيق اختراق كبير في استطلاعات الرأي أو إقناع الناخبين بأجندة واضحة ومقنعة.
تداعيات الانتخابات المحلية وصعود البدائل
تراجعت شعبية كير ستارمر بشكل ملحوظ، وتشير التقارير إلى أن عدداً من نواب الحزب بدأوا يشككون في قدرته على قيادة الحزب حتى الانتخابات العامة المقبلة، المتوقع إجراؤها بحلول يناير 2025 على أقصى تقدير. هذا الشك يتزايد خصوصاً مع صعود نايجل فاراج وحزب «إصلاح بريطانيا» الذي استقطب أصواتاً كانت تقليدياً تذهب لحزب العمال أو المحافظين. من بين الأسماء المطروحة كبدائل محتملة: آندي بيرنهام، عمدة مانشستر الكبرى، ونجيلا راينر، نائبة زعيم الحزب، وويس ستريتنج، وزير الصحة في حكومة الظل. ورغم تصاعد الانتقادات، لا يوجد حتى الآن إجماع داخل الحزب على شخصية قادرة على الإطاحة بستارمر أو قيادة الحزب بدلاً منه. وقد أعلن ستارمر علناً أنه «لن يستقيل» وسيواصل قيادة الحزب نحو الحكومة.
استراتيجية ستارمر لمواجهة «تمرّد حزبي» محتمل
يسعى ستارمر جاهداً لإعادة فرض سيطرته على قيادة الحزب، وقد ألقى خطاباً سياسياً مهماً أمام الحزب في محاولة لتهدئة الدعوات المطالبة بالتغيير. يواجه ستارمر مطالب من حوالي 34 نائباً من حزبه بالاستقالة بعد خسارة حزب العمال لنحو 1500 مقعد في الانتخابات المحلية، بالإضافة إلى فقدان السيطرة على مجلس شيفيلد و40 مجلساً آخر. يخطط ستارمر لمحاولة أخيرة لإنقاذ زعامته عبر خطاب سياسي مشحون، يهدف إلى كبح جماح الدعوات المطالبة بتغيير قيادة حزب العمال. يراقب عدد من الطامحين لخلافته المشهد عن كثب، بينما يدرس آخرون الانضمام إلى سباق محتمل على منصب رئيس الوزراء فور انتهاء خطاب ستارمر.
تأثير الأزمة على المشهد السياسي البريطاني
وصفت وكالة «بلومبيرغ» خطاب ستارمر بعد الهزيمة في الانتخابات المحلية بأنه «الحدث الأهم» في مسيرته السياسية. يهدف الخطاب إلى إعادة تنشيط حظوظ حزب العمال ويتوقع أن يطرح ستارمر خطة لإعادة بناء هذه الحظوظ، تتضمن التزاماً بتقريب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد التصويت لصالح «بريكست»، وفقاً لمقتطفات نشرها مكتبه. يقر ستارمر بأنه «التغيير التدريجي لن يكون كافياً»، ويؤكد أن حكومته ستُعرف بإعادة بناء علاقات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي. يجد ستارمر نفسه مضطراً لتبني برنامج أكثر جرأة، يركز على تكاليف المعيشة والأمن القومي، خاصة بعد المكاسب الواسعة التي حققها نايجل فاراج وحزبه «إصلاح بريطانيا» على مستوى البلاد في انتخابات الأسبوع الماضي.
تحديات القيادة والانتخابات العامة المقبلة
لقد كشفت الانتخابات المحلية الحاجة الملحة للتغيير، ويعتقد المراقبون أن نتائج الانتخابات أظهرت أن الحزب بحاجة إلى تغيير قيادته قبل الانتخابات العامة المقبلة، التي يجب إجراؤها بحلول يناير 2025. واجه ستارمر أول تحدٍ مباشر له عندما أعلنت كاثرين ويست، النائبة غير المعروفة نسبياً عن شمال لندن، أنها ستترشح لزعامة حزب العمال إذا لم يتقدم أي مرشح آخر. ورغم أن ويست تُعتبر منافساً ضعيفاً، فإن ترشحها قد يدفع خصوماً أكثر نفوذاً لستارمر إلى التحرك، مثل نائبة رئيس الوزراء السابقة أنجيلا راينر ووزير الصحة في حكومة الظل ويس ستريتنج. وقد رفع المراهنون رهاناتهم على احتمال استقالة ستارمر، حيث ارتفعت نسبة التوقعات بخروجه من منصبه بحلول 31 ديسمبر المقبل إلى 70% مقارنة بـ 48% بعد ظهر السبت. يدعو مؤيدو تأجيل أي تحرك ضد ستارمر، ومن بينهم وزير الطاقة إد ميليباند ووزيرة النقل السابقة لويز هاي، وهما من أبرز وجوه الجناح اليساري المعتدل داخل الحزب، إلى تحديد جدول زمني للمغادرة. يتوافق موقفهم مع نواب يميلون أكثر إلى اليسار، مثل وزير الخزانة السابق في حكومة الظل جون ماكدونيل، الذين يريدون من ستارمر تحديد جدول زمني لمغادرته. هذه الضغوط المتزايدة تشير إلى أن مستقبل كير ستارمر على المحك، وأن حزب العمال يمر بمرحلة مفصلية قد تحدد مساره لعقود قادمة.


