spot_img

ذات صلة

فضل عشر ذي الحجة وأحب الأعمال فيها | خطبة المسجد الحرام

في خطبة الجمعة من رحاب المسجد الحرام، وجه فضيلة الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي نداءً إيمانيًا للمسلمين في شتى بقاع الأرض، حثهم فيه على اغتنام أيام عشر ذي الحجة المباركة، مؤكدًا أنها موسم عظيم للتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة التي تملأ النفوس بالطمأنينة والسكينة. وأوصى فضيلته بتقوى الله التي هي أساس كل خير، وبها يفرق المرء بين الحق والباطل ويُرزق التوفيق والسداد.

وأوضح الشيخ غزاوي أن من حكمة الله تعالى تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعض، فكما اصطفى مكة المكرمة على سائر البقاع، وشهر رمضان على باقي الشهور، فقد خص الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة بمكانة فريدة، حتى أقسم بها في كتابه الكريم فقال: {وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ}، في دلالة على عظيم شأنها. وتكتسب هذه الأيام أهميتها من كونها خاتمة الأشهر الحُرم وأشهر الحج، وتجتمع فيها أركان الإسلام بشكل لا يتأتى في غيرها.

فضائل ومكانة عشر ذي الحجة في الإسلام

تعتبر الأيام العشر من ذي الحجة من أعظم مواسم الطاعة، وقد ورد في فضلها العديد من النصوص الشرعية التي تبرز مكانتها. فهي ليست مجرد أيام عادية في التقويم الهجري، بل هي فترة زمنية اختصها الله ببركات ورحمات واسعة. قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام” يعني أيام العشر. وهذا الحديث الشريف يفتح باب التنافس في الخيرات على مصراعيه، من صلاة وصيام وصدقة وذكر وقراءة للقرآن وصلة للأرحام. ونقل الإمام ابن حجر رحمه الله أن سبب امتياز عشر ذي الحجة هو “مكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها”.

رحلة الحج: تجسيد لمعاني العبودية والتقوى

وفي سياق متصل، أشار خطيب المسجد النبوي، الشيخ الدكتور عبدالباري الثبيتي، إلى أن هذه الأيام تتزامن مع أداء ركن الإسلام الخامس، فريضة الحج، التي يفد إليها المسلمون من كل فج عميق. وأكد أن رحلة الحج ليست مجرد مناسك حركية، بل هي رحلة قلبية وروحية عميقة، تُقاس بما يقع في القلوب من تقوى وإخلاص. فمنذ اللحظة التي يخلع فيها الحاج ثيابه ويرتدي لباس الإحرام، فإنه يتجرد من زينة الدنيا وفوارقها، ليعيش معنى الوحدة والمساواة مع إخوانه المسلمين في أبهى صورها. وأوضح أن كل منسك يحمل دلالة رمزية عظيمة؛ فالطواف حول الكعبة يعلم المسلم أن يجعل رضا الله محور حياته، والسعي بين الصفا والمروة يغرس فيه قيمة الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله.

يوم عرفة: ذروة المناسك ومغفرة الذنوب

يبلغ هذا الموسم ذروته في اليوم التاسع، وهو يوم عرفة، الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه “الحج عرفة”. في هذا اليوم، يقف الحجاج في صعيد عرفات في مشهد مهيب، متضرعين إلى ربهم، راجين رحمته ومغفرته. وهو يوم عظيم ليس للحجاج فقط، بل لجميع المسلمين، حيث يُسن لغير الحاج صيامه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في فضل صيامه: “أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده”. إنه يوم العتق من النار، وتجديد العهد مع الله، وبداية صفحة جديدة ملؤها الطاعة والاستقامة.

واختتم الخطباء بالتأكيد على أن هذه الأيام الفاضلة التي تقع في نهاية العام الهجري، تمثل فرصة ثمينة للمقصرين والمفرطين ليستدركوا ما فاتهم، ويتوبوا إلى الله توبة نصوحًا، ويقبلوا على حياتهم بعزيمة جديدة، مستشعرين أن الأعمار تطوى والأيام تمضي، والسعيد من اغتنم وقته فيما ينفعه في دنياه وآخرته.

spot_imgspot_img