تتجه أنظار الساحة الفلسطينية والإقليمية بقوة نحو المؤتمر العام لحركة “فتح”، الذي لا يمثل مجرد محطة تنظيمية داخلية، بل يعد مؤشراً حاسماً ومختبراً حقيقياً لملامح مرحلة ما بعد أبو مازن. ففي ظل التنافس المحموم على مقاعد الهيئات القيادية، تتشكل ملامح الخلافة المستقبلية للرئيس محمود عباس، الذي أعيد انتخابه بالإجماع قائداً عاماً للحركة، مما يضع نتائج انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري تحت المجهر لتحديد خريطة القوى داخل أكبر الفصائل الفلسطينية.
خلفية تاريخية: من الثورة إلى السلطة
تأسست حركة فتح في أواخر الخمسينيات لتكون العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية والنضال الوطني. وبعد عقود من العمل المسلح والسياسي من خارج الأراضي الفلسطينية، قادت الحركة عملية التحول نحو بناء مؤسسات الدولة بعد توقيع اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، لتصبح الحزب الحاكم في السلطة الوطنية الفلسطينية. هذا التحول فرض تحديات جديدة، حيث أصبحت المناصب القيادية في الحركة مرتبطة بشكل وثيق بمراكز النفوذ في السلطة وأجهزتها المدنية والأمنية. ومع غياب الانتخابات العامة لسنوات طويلة، باتت المؤتمرات العامة للحركة هي الساحة الرئيسية للتنافس السياسي وتجديد الشرعيات، ويكتسب المؤتمر الحالي أهمية استثنائية نظراً للعمر المتقدم للرئيس عباس والحديث المتزايد عن ترتيبات المرحلة المقبلة.
خارطة طريق الخلافة: كيف ترسم الانتخابات مستقبل مرحلة ما بعد أبو مازن؟
يشهد المؤتمر ترشح العشرات لعضوية اللجنة المركزية، الهيئة القيادية الأعلى، والمئات لعضوية المجلس الثوري، وهو برلمان الحركة. ويرى مراقبون أن هذا التنافس الواسع يحمل دلالات متناقضة؛ فبينما يعتبره البعض مؤشراً على حيوية الحركة ورغبة الأجيال الجديدة في المشاركة، يراه آخرون انعكاساً لأزمة قيادة وعدم رضا عن الأداء الحالي. ويتركز جوهر الصراع على المواقع القيادية أكثر من البرامج السياسية، نظراً لوجود إجماع عام على الخط السياسي العام للحركة. إن الوصول إلى مركز قيادي في “فتح” هو بمثابة بوابة للوصول إلى مناصب عليا في السلطة ومنظمة التحرير، مما يجعل هذه الانتخابات معركة لتحديد ورثة المشهد السياسي الفلسطيني.
شخصيات محورية وتأثيرات إقليمية ودولية
تعتبر هذه الانتخابات اختباراً حقيقياً لعدة شخصيات بارزة. فتعيين الرئيس عباس لحسين الشيخ نائباً له يضعه في دائرة الضوء، حيث إن حصوله على عدد كبير من الأصوات سيعزز موقعه كخليفة محتمل، بينما أي نتيجة مخيبة للآمال ستفتح الباب أمام منافسيه. في المقابل، يظل الأسير مروان البرغوثي رقماً صعباً في المعادلة، فعادةً ما يحصد أعلى الأصوات في استطلاعات الرأي وانتخابات الحركة. فوز البرغوثي بعدد أصوات مرتفع وهو داخل سجنه سيكرسه كمرشح قوي لأي انتخابات رئاسية قادمة، وسيضع القيادة الجديدة أمام تحدي التعامل مع شعبيته الجارفة، وقد يساهم في توليد ضغط دولي للإفراج عنه. إن نتائج المؤتمر لا تهم الفلسطينيين وحدهم، بل تتابعها القوى الإقليمية والدولية عن كثب، لأن هوية القيادة الفتحاوية القادمة ستحدد بشكل كبير مستقبل عملية السلام، وشكل العلاقة مع إسرائيل، ومسار المصالحة الداخلية، وبالتالي ستؤثر على استقرار المنطقة بأكملها.


