في تطور قضائي لافت، كشفت تقارير صحفية نقلاً عن مصادر دبلوماسية مطلعة أن المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قد أصدرت مجموعة جديدة من أوامر اعتقال سرية بحق سياسيين إسرائيليين ومسؤولين عسكريين. تأتي هذه الخطوة في سياق التحقيقات المستمرة التي يجريها مكتب المدعي العام للمحكمة بشأن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية محتملة في الأراضي الفلسطينية، وتحديداً خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة. وبحسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، فإن المذكرات صدرت بحق ثلاثة سياسيين واثنين من كبار المسؤولين العسكريين، دون الكشف عن هوياتهم أو الموعد الدقيق لإصدارها، وذلك بهدف حماية الشهود وضمان سلامة الإجراءات القضائية.
خلفية التحقيقات الدولية في الأراضي الفلسطينية
تعود جذور الولاية القضائية للمحكمة الجنائية الدولية على الوضع في فلسطين إلى عام 2015، عندما انضمت دولة فلسطين رسميًا إلى نظام روما الأساسي، وهو المعاهدة المؤسسة للمحكمة. هذا الانضمام منح المحكمة صلاحية التحقيق في الجرائم التي تدخل في اختصاصها والمرتكبة في الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة) أو من قبل مواطنين فلسطينيين منذ 13 يونيو 2014. وبعد سنوات من الدراسة الأولية، أعلنت المدعية العامة السابقة، فاتو بنسودا، في مارس 2021 عن فتح تحقيق رسمي في الوضع، وهي خطوة لاقت ترحيبًا فلسطينيًا ورفضًا إسرائيليًا قاطعًا، حيث لا تعترف إسرائيل بعضوية المحكمة أو ولايتها القضائية.
تداعيات أوامر الاعتقال السرية بحق سياسيين إسرائيليين
إن إصدار أوامر اعتقال سرية بحق سياسيين إسرائيليين يمثل تصعيدًا كبيرًا في الملاحقات القضائية الدولية. فبينما تبقى تفاصيل هذه الأوامر طي الكتمان، فإن وجودها يعني أن المسؤولين المستهدفين قد يواجهون خطر الاعتقال فور سفرهم إلى أي من الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، والتي يبلغ عددها 124 دولة ملزمة قانونيًا بالتعاون مع المحكمة وتنفيذ أوامرها. هذا الإجراء من شأنه أن يفرض قيودًا عملية شديدة على حركة هؤلاء المسؤولين ويضعهم تحت ضغط دولي متزايد. على الصعيد الدبلوماسي، يعمق هذا القرار من عزلة إسرائيل القانونية ويزيد من حدة التوتر بينها وبين المؤسسات العدلية الدولية، مما قد يؤثر على علاقاتها مع حلفائها الأوروبيين الذين هم أعضاء في المحكمة.
الموقف الإسرائيلي وردود الفعل المتوقعة
تتمسك إسرائيل بموقفها الثابت الرافض لاختصاص المحكمة، وتصف إجراءاتها بأنها “ذات دوافع سياسية” و”معادية للسامية”. وتستند في رفضها إلى مبدأ “التكاملية”، الذي ينص على أن المحكمة الجنائية الدولية لا تتدخل إلا عندما تكون الأنظمة القضائية الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات ومحاكمات حقيقية. وتؤكد إسرائيل أن لديها نظامًا قضائيًا مستقلاً وقويًا قادرًا على محاسبة أفراده. ومن المتوقع أن تواصل الحكومة الإسرائيلية حملتها الدبلوماسية والسياسية ضد المحكمة، والضغط على حلفائها، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، لاتخاذ مواقف منددة بقرارات المدعي العام وقضاة المحكمة.


