spot_img

ذات صلة

عبد ربه منصور هادي: مسيرة رئيس اليمن في أخطر مراحل تاريخه

يُطوى برحيل الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الذي غيبه الموت فجر الخميس، فصل حاسم من تاريخ اليمن الحديث. لم يكن هادي مجرد رئيس، بل كان شخصية محورية قادت البلاد في أخطر منعطفاتها، خلال مرحلة انتقالية عاصفة أعقبت ثورة 2011، وشهدت تحولات جذرية انتهت بتدخل عسكري إقليمي واسع النطاق لا تزال تداعياته مستمرة حتى اليوم.

وُلد عبد ربه منصور هادي في الأول من سبتمبر عام 1945 بقرية ذكين في مديرية الوضيع بمحافظة أبين، جنوبي اليمن، في فترة كانت المنطقة تخضع فيها لسلطنة الفضلي. نشأته في بيئة عسكرية مبكرة رسمت ملامح مسيرته المهنية، حيث انطلق من المؤسسة العسكرية ليصقل خبراته في عدد من الأكاديميات الدولية المرموقة. تخرج من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية عام 1966، وحصل على ماجستير العلوم العسكرية من أكاديمية ناصر العسكرية في مصر عام 1970، ثم نال درجة الماجستير في القيادة العسكرية من أكاديمية فرونزا في الاتحاد السوفيتي السابق، مما منحه رؤية عسكرية وسياسية واسعة.

من النشأة العسكرية إلى دهاليز السياسة

قبل الوحدة اليمنية عام 1990، كان اليمن منقسماً إلى شطرين، شمالي وجنوبي. خدم هادي في جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (اليمن الجنوبي)، لكن مسيرته شهدت تحولاً كبيراً بعد حرب صيف 1994 الأهلية، التي اندلعت بين القادة الشماليين والجنوبيين بعد سنوات قليلة من الوحدة. وقف هادي إلى جانب الرئيس آنذاك علي عبد الله صالح ضد الانفصاليين الجنوبيين، وبعد انتصار قوات الوحدة، تمت مكافأته بتعيينه وزيراً للدفاع، ثم في 3 أكتوبر 1994، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية، وهو منصب ظل يشغله لنحو 18 عاماً، مكتسباً خلالها خبرة عميقة في إدارة شؤون الدولة ومعادلات القوة داخل النظام.

عبد ربه منصور هادي رئيساً توافقياً في خضم الثورة

مع اندلاع ثورات الربيع العربي التي وصلت إلى اليمن في 2011، برز اسم هادي بقوة على الساحة. فبعد أشهر من الاحتجاجات الشعبية التي طالبت برحيل صالح، أدت المبادرة الخليجية إلى اتفاق لنقل السلطة. وبموجب هذا الاتفاق، أصبح هادي المرشح التوافقي الوحيد في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 21 فبراير 2012. انتُخب بنسبة مشاركة شعبية بلغت 65% ليتولى قيادة مرحلة انتقالية لمدة عامين، كانت مهمتها الأساسية إعادة هيكلة الجيش والأمن، وإطلاق حوار وطني شامل، وصياغة دستور جديد للبلاد.

تحديات المرحلة الانتقالية وسقوط صنعاء

واجه هادي خلال فترة حكمه تحديات هائلة، تمثلت في تركة نظام صالح المتجذرة في مفاصل الدولة، ونشاط تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وتصاعد نفوذ جماعة الحوثيين في الشمال. ورغم نجاحه في إطلاق مؤتمر الحوار الوطني الشامل، إلا أن مخرجاته واجهت صعوبات في التنفيذ. تفاقمت الأزمة بشكل دراماتيكي في 21 سبتمبر 2014، عندما اجتاح الحوثيون العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة. وفي يناير 2015، حاصروا القصر الرئاسي وفرضوا الإقامة الجبرية على هادي، مما دفعه لتقديم استقالته، قبل أن يتمكن من كسر الحصار والفرار إلى عدن في 21 فبراير، حيث أعلن سحب استقالته والتمسك بالشرعية الدستورية.

“عاصفة الحزم” ونهاية المسيرة

مع تقدم الحوثيين جنوباً، طلب هادي تدخلاً عسكرياً من مجلس التعاون الخليجي. وفي 26 مارس 2015، أطلق التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية عملية “عاصفة الحزم” لدعم الشرعية اليمنية. قضى هادي سنواته الأخيرة في الحكم متنقلاً بين الرياض وعدن، محاولاً إدارة شؤون الدولة من المنفى. وفي 7 أبريل 2022، أعلن نقل كامل صلاحياته إلى مجلس قيادة رئاسي برئاسة الدكتور رشاد العليمي، ليسدل الستار على مسيرة سياسية طويلة ومعقدة، قاد خلالها اليمن في واحدة من أكثر مراحله اضطراباً وغموضاً.

spot_imgspot_img