تشير التقارير الطبية الحديثة إلى أن صحة الجهاز السمعي تمثل ركيزة أساسية لجودة الحياة والتفاعل البشري اليومي. ومع ذلك، يواجه ملايين البشر تحديات متزايدة تتعلق بالقدرة على السمع؛ إذ يعد فقدان السمع أحد أكثر الاضطرابات الحسية شيوعاً في العصر الحالي. ووفقاً للتقرير العالمي للصحة السمعية الصادر عن منظمة الصحة العالمية، فإن أكثر من 1.5 مليار شخص حول العالم يعانون حالياً من درجات متفاوتة من ضعف السمع، وسط توقعات مقلقة تشير إلى ارتفاع هذا العدد ليصل إلى نحو 2.5 مليار شخص بحلول عام 2050 ما لم تُتخذ إجراءات وقائية وعلاجية عاجلة ومستدامة.
الأبعاد العالمية والمحلية لأزمة فقدان السمع
تتجاوز مشكلة ضعف السمع كونها مجرد عارض صحي فردي، لتصبح قضية صحية عامة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية عميقة على المستويين الدولي والمحلي. تاريخياً، ارتبط تدهور السمع بالتقدم في السن، إلا أن التغيرات البيئية الحديثة وزيادة التلوث الضوضائي في المدن الصناعية قد سرّعت من انتشار هذه المشكلة بين الفئات العمرية الشابة.
محلياً، تبذل المملكة العربية السعودية جهوداً حثيثة للحد من انتشار هذه المشكلة؛ حيث تشير تقديرات وزارة الصحة السعودية وهيئة الصحة العامة (وقاية) إلى أن نحو 15% من البالغين في المملكة يعانون من ضعف السمع. ولمواجهة هذا التحدي، أطلقت المملكة برنامج الفحص الوطني الشامل لحديثي الولادة، والذي أسهم بشكل فعال في الاكتشاف المبكر للاعتلالات السمعية لدى الأطفال، مما يتيح التدخل العلاجي قبل أن تؤثر المشكلة على نموهم اللغوي والتعليمي.
تباين المسببات بين الأطفال والبالغين
يوضح الدكتور أحمد الشهري، استشاري جراحة الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى الملك فيصل التخصصي، أن مسببات ضعف السمع تختلف جذرياً بين الأطفال والبالغين. بالنسبة للأطفال، غالباً ما ترتبط المشكلة بعوامل خلقية أو جينية، أو مضاعفات أثناء الحمل والولادة. وتشمل الأسباب المكتسبة إصابة الأم الحامل ببعض الالتهابات الفيروسية مثل الفيروس المضخم للخلية (CMV)، الحصبة الألمانية، الهربس، داء المقوسات، والسفلس. كما تلعب الولادة المبكرة ونقص الأكسجين دوراً كبيراً في هذا الصدد.
أما لدى البالغين، فإن المشكلة تكتسب طابعاً مختلفاً؛ حيث يغلب عليها الجانب الحسي العصبي الناتج عن تلف الخلايا الشعرية داخل القوقعة بفعل الشيخوخة أو الأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم، بالإضافة إلى التعرض المستمر للضوضاء البيئية والمهنية.
التلوث الضوضائي وسماعات الأذن كمهددات صامتة
من جانبه، يشير الدكتور فراس نايف، أخصائي أول الأنف والأذن والحنجرة، إلى أن الضوضاء تعد من أخطر المسببات غير الجينية لـ فقدان السمع. فالتعرض المستمر للأصوات التي تتجاوز شدتها 85 ديسيبل (مثل أصوات المصانع أو الموسيقى الصاخبة عبر سماعات الأذن) يؤدي تدريجياً إلى تدمير الخلايا الشعرية الدقيقة في الأذن الداخلية. وتكمن الخطورة في أن هذه الخلايا غير قابلة للتجدد، مما يعني أن التلف الذي يصيبها يكون دائماً وغير قابل للتراجع في كثير من الأحيان. على سبيل المثال، فإن التعرض لصوت بقوة 100 ديسيبل لمدة تزيد عن 15 دقيقة فقط كفيل بإحداث ضرر دائم في حاسة السمع.
الحلول العلاجية والوقائية المبتكرة
يؤكد الأطباء أن تحديد العلاج المناسب يعتمد بالدرجة الأولى على التشخيص الدقيق لنوع الضعف السمعي. وفي هذا السياق، يستعرض الدكتور جاد محمد موني، رئيس مركز زراعة القوقعة الإلكترونية بمستشفى الملك فهد العام بجدة، الخيارات المتاحة؛ حيث يُعالج ضعف السمع التوصيلي (الناتج عن انسداد القناة السمعية أو تجمع السوائل خلف الطبلة) طبياً أو جراحياً عبر إزالة الشمع أو تركيب أنابيب تهوية.
أما في حالات الضعف الحسي العصبي الشديد، فإن الحلول تتراوح بين استخدام المعينات السمعية (السماعات الطبية) المتطورة، أو اللجوء إلى زراعة القوقعة الإلكترونية للأشخاص الذين لا يستجيبون للسماعات التقليدية، خاصة الأطفال في مراحل نموهم الأولى لضمان اكتسابهم اللغة والنطق بشكل طبيعي.
ويحذر الدكتور موني بشدة من بعض السلوكيات الخاطئة الشائعة، مثل استخدام الأعواد القطنية لتنظيف الأذن، مؤكداً أنها قد تدفع الشمع إلى الداخل وتتسبب في ثقب طبلة الأذن، مما يؤدي إلى مضاعفات سمعية خطيرة يمكن تجنبها بسهولة عبر استشارة الطبيب المختص.


