عبد الوهاب الدكالي: “مرسول الحب” يكرّس اللهجة المغربية في وجدان المشرق العربي
عاد صدى صوت الفنان المغربي الكبير عبد الوهاب الدكالي ليلامس آذان الجمهور السعودي، وذلك خلال الحفلة التي أقيمت مطلع الثمانينات في العاصمة الرياض، بدعوة من الرئاسة العامة لرعاية الشباب. هذه العودة الرمزية، التي تتجدد ذكراها باستمرار، تسلط الضوء على إحدى أيقوناته الخالدة: أغنية “مرسول الحب”، التي لم تكن مجرد لحن عابر، بل كانت بمثابة جسر ثقافي كرّس اللهجة المغربية في وجدان المشرق العربي، وأثبتت قدرة الفن على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.
مسيرة فنية عابرة للأجيال: عبد الوهاب الدكالي رائد الأغنية المغربية
يمتد المشوار الفني للفنان عبد الوهاب الدكالي لأكثر من ستة عقود، وهو ما وصفته وزارة الشباب والثقافة والتواصل المغربية بأنه “أحد أعمدة الأغنية المغربية وروادها الذين أسهموا لعقود في إغناء الساحة الفنية الوطنية بأعمال خالدة بصمت الوجدان المغربي والعربي”. ولد الدكالي عام 1941، وبدأ مسيرته الفنية عام 1957، ليثبت نفسه كمطرب إنساني، صاحب صوت شجي وموسيقار استثنائي. شارك رفيق دربه الراحل عبد الهادي بلخياط في تطوير الأغنية وتوزيعها في كل أنحاء العالم، وكان محبوبًا وله قبول واسع بفضل انتقائه الدقيق للكلمات والألحان التي ترتقي بالذائقة الفنية. هذه المسيرة الطويلة لم تكن لتتحقق لولا إيمانه العميق برسالة الفن، الذي يعتبره نموًا للحواس وتغذية للأرواح.
“مرسول الحب”: أغنية كسرت الحواجز الثقافية
تعتبر أغنية “مرسول الحب” من أبرز أعمال عبد الوهاب الدكالي، وهي الأغنية التي أعاد توزيعها وغناءها عدد من الفنانين المغاربة والعرب. لكن تأثيرها الأصلي كان أعمق بكثير. ففي فترة كانت فيها اللهجة المصرية والشامية هي السائدة في الإعلام الفني العربي، جاءت “مرسول الحب” لتفرض حضور اللهجة المغربية بجمالها وعذوبتها، وتفتح آفاقًا جديدة للتبادل الثقافي. لم تكن هذه الأغنية مجرد عمل فني ناجح، بل كانت بمثابة سفير ثقافي للمغرب، حيث قدمت للمشرق العربي جانبًا من التراث اللغوي والموسيقي المغربي الأصيل، مما ساهم في تقريب الشعوب وتعميق الفهم المتبادل بين الثقافات العربية المختلفة. هذا الإنجاز لم يكن سهلاً، فقد تطلب جرأة فنية ورؤية ثاقبة من فنان آمن بقدرة فنه على تجاوز الحدود، ليصبح بذلك رمزًا للوحدة الثقافية العربية.
فلسفة الدكالي الفنية وإرثه الموسيقي
لم يقتصر إبداع الدكالي على “مرسول الحب” فقط، بل قدم أعمالاً أخرى لا تقل شهرة مثل “الدار المهجورة”، “بلغوه سلامي”، “كان يا ما كان”، و”ما أنا إلا بشر”. وقد نال الفنان جوائز عديدة، منها الجائزة الكبرى لمهرجانات الأغنية المغربية بالمحمدية عام 1985 ومراكش عام 1993، كما كرمته مؤسسات ومهرجانات فنية كبرى. في حوار سابق، أوضح الدكالي أن الفن بالنسبة له يعني الحياة، ونماء الحواس، وتغذية الأرواح، بعاطفة تفتح أبواب الأمل وترسم طرق الخير أمام البشر. وأبدى أسفه ألا تتحكم الآلة في الإنسان أو تحدد مساره، مشيرًا إلى أنه ينبع بتسليع القيم في أغنيته “سوق البشرية” التي نالت الجائزة الكبرى في المهرجان الدولي للأغنية بمصر. هذه الفلسفة العميقة هي ما جعل أعماله تتسم بالخلود وتلامس القلوب، وتجعله قدوة للأجيال الفنية الصاعدة.
تجربة الدكالي الصوفية وتأكيد رسالة الفن
في خطوة فنية جريئة، خاض عبد الوهاب الدكالي تجربة روحية فريدة من نوعها، حيث أمضى عامًا كاملاً في مدينة فاس العريقة، متعمقًا في تراث الموسيقى الصوفية. اختار خلال هذه الفترة 12 أغنية من عيون التراث الصوفي، مثل “إليك ربي”، “يا خليلي”، و”إلهي”. وقد وصف هذه التجربة بأنها أشعرته بثراء كبير ومنقطع النظير، وكشفت له عن أبعاد جديدة للفن. أكد الدكالي أن الفن رسالة تثقيفية قبل أن تكون ترفيهية، وهو ما تجلى في حفلة الرياض بالثمانينات التي اعتبرها مساهمة في شهرته عربيًا وخليجيًا. هذه الرؤية الشاملة للفن، التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الروحانية والجمالية، هي ما يميز مسيرة الدكالي الفنية ويجعله قامة فنية لا تضاهى في المشهد العربي، بإرث يتجاوز 300 أغنية ناجحة، مكرسًا بذلك مكانته كأحد عمالقة الطرب العربي.


