spot_img

ذات صلة

نقد أدونيس: مقالة السفياني وأزمة المعيار في الشعر العربي الحديث

في خطوة جريئة أعادت إشعال النقاشات الثقافية والأدبية، نجح الناقد الأكاديمي الدكتور عبدالله السفياني في لفت الأنظار بمقالته الرائدة التي انطلقت من حوار “بودكاستي” مع نقد أدونيس، عرّاب الحداثة الشعرية. المقالة، التي حملت عنوان “من الهدم إلى صرخة المعيار.. أدونيس في مواجهة أدونيس”، تناولت انقلاب أدونيس على نفسه، حيث كان يدعو إلى الهدم المجازي لشرعنة قصيدة النثر، ليصبح أثره عقوداً من الجدل الذي ينادي بالاحتكام للمحك المعياري. فقد غدت قصيدته المبتذلة، التي يكتبها من لا يعرف كنهه وأصول كتابتها، شرارة أثارت نار التجاذبات والاستقطابات التي لم تخمد تماماً. هذه المقالة لم تكن مجرد نقد عابر، بل مثلت نقطة تحول في فهم مشروع أدونيس النقدي والشعري، ووضعت أسس الحداثة العربية على طاولة التشريح.

أدونيس: رائد الحداثة الشعرية وسياق الجدل

يُعدّ علي أحمد سعيد إسبر، المعروف باسمه المستعار “أدونيس”، أحد أبرز وأكثر الشعراء والمفكرين العرب إثارة للجدل في القرن العشرين وحتى يومنا هذا. وُلد أدونيس في سوريا عام 1930، وانتقل إلى لبنان ثم فرنسا، حيث أثرى المشهد الثقافي العربي والعالمي بمؤلفاته الشعرية والنقدية التي دعت إلى ثورة شاملة في اللغة والشكل والمضمون الشعري. كان أدونيس من أوائل من تبنوا قصيدة النثر في العالم العربي، ورأى فيها وسيلة لتحرير الشعر من قيود الوزن والقافية التقليدية، وفتح آفاق جديدة للتعبير عن الذات والعالم. مشروعه الشعري والفكري لم يكن مجرد تجديد شكلي، بل كان محاولة عميقة لإعادة تعريف الحداثة العربية، وربطها بالوعي الكوني، وتجاوز التراث الجامد. هذه الدعوة الراديكالية أثارت منذ بداياتها ردود فعل متباينة، بين مؤيد يرى فيها خلاصاً للشعر العربي من ركوده، ومعارض يخشى عليها من فقدان هويتها ومعاييرها الأصيلة. وفي هذا السياق التاريخي المعقد، جاءت مقالة السفياني لتُعيد طرح السؤال الجوهري: ما هي المعايير التي تحكم الإبداع الشعري في ظل الحداثة؟

مقالة السفياني: تحليل نقدي يضع المعيار على المحك

تُشكل مقالة الدكتور عبدالله السفياني قراءة لافتة تُشير إلى اتساع مساحة “القول” في الشعر العربي مقابل تراجع “القدرة” الفعلية على الكتابة. هذا التوصيف يبدو قريباً من الواقع الذي نراه اليوم، حيث يرى السفياني أن أدونيس، في “الثابت والمتحول”، لم يكن يدعو إلى الفوضى، بل إلى تحرير الشعر من سلطة المعيار الجاهز، ونقل مركز القاعدة من الخارج إلى داخل التجربة. غير أن هذه الفكرة، في رأي السفياني، لم تُستوعب دائماً بوعي كافٍ، فأصبحت عند كثيرين مجرد مساحة مفتوحة بلا أدوات أو معرفة. ويُشير السفياني إلى أزمة “المعيار” التي حملت أحياناً الفكرة الأصلية أكثر مما تحتمل، متجاهلاً أن المشكلة ليست في الهدم، بل في ما بُني بعده. فالأزمة ليست في كسر القواعد، بل في غياب القدرة على بناء ما بعدها. هذا نقد أدونيس لا يهدف إلى التقليل من شأنه، بل إلى إعادة تقييم مساره الفكري والشعري في ضوء التطورات اللاحقة.

أصداء نقد أدونيس: آراء متباينة في الساحة الثقافية

أشعلت مقالة السفياني نار الجدل، وتعددت ردود الأفعال بين مؤيد ومعارض. الشاعر سامح محجوب، مدير بيت الشعر العربي، رأى أن الفن تجريب وانزياح ونظام تراتبي محكم، متجاهلاً المدرسية التي حاول الأكاديميون ومدرسو اللغة تأطيرها بتعاريف سطحية. وأضاف محجوب أنه ليس في معرض الرد على مقولات أدونيس، الذي قدّر له فضيلة الجدل الديالكتيكي الحاصل، مع تحفظه على قيمته النقدية والفكرية، ومع تحفزه على نعته بـ”الأب الروحي للحداثة العربية”، إن كانت ثمة حداثة عربية! وتساءل محجوب: هل يعقل أن كل ما نعرفه عن الحلاج يعود للويس ماسينيون؟! وأن كل معارفنا الحديثة -بما فينا أدونيس- حول قصيدة النثر تعود لكتاب وحيد هو “قصيدة النثر” لصاحبته براءة اختراع هذا المسمى الفرنسية سوزان برنار، التي تم تدشينها عربياً بلا مساءلة أو مراجعة أو نقد لما ورد به من رؤى وأفكار؟

من جانبه، أكد الشاعر عبدالعزيز الشريف أنه قرأ مقالة الدكتور عبدالله السفياني حول مراجعات أدونيس، ووجد نفسه بين اقتناع جزئي وقلق لا يستطيع تجاهله. ففي المقالة قراءة لافتة تُشير إلى اتساع مساحة “القول” في الشعر العربي مقابل تراجع “القدرة” الفعلية على الكتابة، وهو توصيف يبدو قريباً من الواقع الذي نراه اليوم. بينما في المقابل، لا يستطيع التعامل مع الطرح بوصفه إدانة نهائية لمشروع أدونيس، بل أشار إلى أنه أقرب إلى كشف مأزق نشأ من داخل فكرة الحداثة نفسها، لا من خارجها. وأوضح الشريف أن أدونيس، في الثابت والمتحول، لم يكن يدعو إلى الفوضى، بل إلى تحرير الشعر من سلطة المعيار الجاهز، ونقل مركز القاعدة من الخارج إلى داخل التجربة.

أما الشاعر إبراهيم زولي، فرأى أن النقد الجاد لا يختزل تجربة ثمانين عاماً في مقطع بودكاست عابر، ويبني عليه أحكاماً نهائية بلهجة القطع، كأن المسألة ضُبطت وانتهت. وأوضح زولي أن ما يجري هنا ليس تفكيكاً لمتن فكري، بل تصنيع سريع لإدانة جاهزة، أي استبدال القراءة بالمصادرة، والسؤال المعرفي بنشوة الاتهام. وأكدت الشاعرة الدكتورة أشجان هندي أن الدكتور عبدالله السفياني أفاد وأجاد، مؤكدة أن ما أورده يرتكز على أدلة واستشهادات من داخل تجربة أدونيس، واقتباسات من آرائه التي طرحها داخل كتبه، أو الأخرى التي ذكرها في “البودكاست”.

ويرى الكاتب علي مكي أن المشكلة، في جوهرها، ليست في أدونيس، بل في الطريقة التي قُرئت بها تصريحاته الأخيرة. فعندما يتحدث أدونيس عن “فوضى قصيدة النثر”، لا يقف خارج الحداثة ليحاكمها، ولا ينقلب على ما أسس له، بل يمارس وحدة من أعمق وظائف الفكر حول مساءلة النتائج من داخل التجربة. وأوضح مكي أن مقالة الدكتور عبدالله السفياني بُنيت على قراءة مبتسرة، لأنها تفترض أن الدعوة إلى “الهدم” كانت دعوة إلى الفوضى، بينما كانت، في سياقها، دعوة إلى تفكيك النسق المغلق تمهيداً لإنتاج نسق أكثر اتساعاً ووعياً.

أزمة المعيار في الشعر العربي: دعوة للتفكير النقدي المستمر

إن الجدل الدائر حول نقد أدونيس ومقالة السفياني لا يمثل مجرد خلاف أدبي عابر، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بتحديد المعايير الفنية والنقدية في المشهد الثقافي العربي المعاصر. فمنذ بدايات الحداثة الشعرية في منتصف القرن الماضي، سعى الشعراء والنقاد إلى التحرر من القوالب التقليدية، بحثاً عن أشكال تعبيرية جديدة تتناسب مع روح العصر. وقد كان أدونيس في طليعة هذه الحركة، داعياً إلى كسر الثوابت وإعادة التفكير في كل ما هو مألوف. ومع ذلك، فإن هذا التحرر، في غياب أطر نقدية واضحة ومُتفق عليها، قد يؤدي إلى فوضى إبداعية، حيث يصعب التمييز بين الغث والسمين، وبين الإبداع الحقيقي والمحاكاة السطحية. هذه الأزمة لا تقتصر على الشعر وحده، بل تمتد لتشمل مجالات فنية وثقافية أخرى، وتطرح تساؤلات حول دور المؤسسات الثقافية والأكاديمية في صياغة معايير نقدية مرنة ومُتجددة، قادرة على استيعاب التجديد دون التخلي عن الجودة. إن هذه النقاشات الحيوية، التي أثارتها مقالة السفياني، تُعد ضرورية لضمان استمرارية تطور الأدب العربي، والحفاظ على حيويته وقدرته على التفاعل مع التحديات الفكرية والفنية الراهنة، وتُشكل دعوة مفتوحة للتفكير النقدي المستمر الذي لا يخشى مساءلة الرموز أو إعادة تقييم المشاريع الفكرية الكبرى.

spot_imgspot_img