اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي مجدداً بسجال فكري حاد، يعيد إلى الواجهة قضايا الحداثة الشعرية والنقد الأدبي في العالم العربي. هذه المرة، كان محور الجدل هو سجال أدونيس الفكري، عقب مقال نقدي للكاتب الدكتور عبدالله السفياني استهدف فيه مواقف الشاعر أدونيس الأخيرة، ليأتي رد الأخير عبر صحيفة «عكاظ» مقتضباً وحاسماً: «كاتب هذه المقالة لا يعرف أن يقرأ». هذا التفاعل ليس مجرد خلاف شخصي، بل هو انعكاس لتساؤلات أعمق حول مسيرة الحداثة العربية ومستقبلها.
أدونيس: رائد الحداثة ومحرك الجدل
يُعد أدونيس، واسمه الحقيقي علي أحمد سعيد إسبر، أحد أبرز الشعراء والمفكرين العرب في العصر الحديث، ورمزاً للحداثة الشعرية والفكرية. منذ منتصف القرن العشرين، لعب أدونيس دوراً محورياً في تحرير القصيدة العربية من قيودها التقليدية، داعياً إلى التجديد والتجريب. كتابه «الثابت والمتحول» (1974) يُعتبر علامة فارقة في الفكر العربي، حيث قدم فيه قراءة نقدية جريئة للتراث العربي، مؤكداً على ضرورة التجاوز والهدم كسبيل للابتكار. هذه الأطروحات أثارت وما زالت تثير جدلاً واسعاً، ووضعت أدونيس في صدارة المشهد الثقافي كشخصية لا يمكن تجاهلها، سواء بالاتفاق أو الاختلاف معه. لقد كان مشروعه الفكري يهدف إلى إحداث قطيعة مع الماضي الجامد وفتح آفاق جديدة للتعبير، مما جعله هدفاً دائماً للنقد والمراجعة.
مشروع الحداثة بين التأسيس والمراجعة
في مقالته التي حملت عنوان «من «الهدم» إلى صرخة «المعيار».. أدونيس في مواجهة أدونيس»، والتي نشرها الدكتور عبدالله السفياني عبر حسابه على منصة (إكس)، تناول الكاتب مراجعات الشاعر لمشروعه الحداثي، خصوصاً ما ورد في حواره المطول مع بودكاست «سؤال مشروع». انتقد السفياني تصريحات أدونيس التي أبدى فيها مرارة من «نوع من الفلتان.. والفوضى غير المقبولة على الإطلاق في تجربة قصيدة النثر»، معتبراً أن هذه التصريحات تضع مشروع أدونيس بأكمله على مشرحة المساءلة. فكيف لمن نادى بـ«الابتكار هدم بالضرورة، وأنه تجاوز للسنن» أن ينتقد الفلتان؟ يرى السفياني أن أدونيس «المتأخر» يحاول استعادة «الثابت» (القواعد والمبادئ) لمواجهة «المتحول» الذي خرج عن السيطرة، وهو ما أدى إلى إنتاج «نماذج في غاية السوء» في قصيدة النثر، بحسب وصفه. هذا النقد يلامس جوهر التحدي الذي يواجه أي حركة تجديدية: كيف يمكن تحقيق التجاوز دون الوقوع في فخ الفوضى وغياب المعايير؟
سجال أدونيس الفكري: صدى أعمق في المشهد الثقافي
جاء رد أدونيس عبر «عكاظ» مقتضباً، لكنه حمل في طياته نقداً أعمق للعقلية السائدة. فبالإضافة إلى جملته الشهيرة «كاتب هذه المقالة لا يعرف أن يقرأ»، أكد الشاعر احترامه لوجهات النظر المتباينة، لكنه شدد على أن الإشكالية الحقيقية تكمن في «العقلية المهيمنة» التي تميل إلى تصنيف الآراء ضمن ثنائية حادة: «مؤمن أو كافر»، «مع أو ضد». يرى أدونيس أن هذه النظرة تقيّد النقاش الفكري والثقافي وتعيق التطور. هذا الجدل ليس محصوراً في الأوساط الأكاديمية أو النخبوية؛ فمنصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رحبة لتداول مثل هذه القضايا، مما يوسع دائرة المشاركين ويجعل النقاشات الفكرية أكثر انتشاراً وتأثيراً في الرأي العام. إن سجال أدونيس الفكري يعكس صراعاً أوسع بين دعاة التجديد المطلق ومن يطالبون بضرورة وجود ضوابط ومعايير، حتى في أقصى درجات التجريب.
تأثير السجال على مستقبل النقد والأدب العربي
إن هذا السجال الدائر حول أدونيس ومشروعه الحداثي له أهمية بالغة تتجاوز حدود الخلاف الشخصي بين كاتبين. فهو يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النقد الأدبي العربي، ودور الشاعر والمفكر في مراجعة أفكاره، وكيفية التعامل مع إرث الحداثة. على المستوى المحلي والإقليمي، تساهم هذه النقاشات في إثراء المشهد الثقافي وتنشيط الحراك الفكري، وتدفع إلى إعادة تقييم المفاهيم الراسخة. دولياً، تعكس هذه الحوارات التحديات العالمية التي تواجه الفنون والآداب في عصر ما بعد الحداثة، حيث تتداخل الأصوات وتتعدد الرؤى. إن القدرة على استيعاب النقد الذاتي ومراجعة المشاريع الفكرية الكبرى هي علامة على حيوية الثقافة وقدرتها على التطور. هذا السجال يدعو إلى نقاش أعمق حول كيفية بناء جسور بين التراث والحداثة، وبين التجريب الفني والمسؤولية الثقافية، بعيداً عن التصنيفات الثنائية التي يرفضها أدونيس.
في الختام، يظل أدونيس شخصية محورية في الثقافة العربية، ومحركاً دائماً للجدل الذي يثري المشهد الفكري. إن ردوده ومراجعاته، حتى وإن كانت حادة، تفتح الباب أمام حوار مستمر وضروري حول ماهية الأدب، ودور المبدع، ومستقبل اللغة العربية في عالم متغير.


