spot_img

ذات صلة

مواجهة خطاب الكراهية والذكاء الاصطناعي: حوار العيسى بنيويورك

حوار عالمي حول تحديات العصر الرقمي

في خطوة تعكس الاهتمام العالمي المتزايد بالتقاطعات الأخلاقية للتكنولوجيا الحديثة، استضافت جامعة نيويورك المرموقة الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد بن عبد الكريم العيسى، في محاضرة شاملة. تناول اللقاء، الذي حضره نخبة من الأكاديميين والخبراء، أحد أخطر تحديات العصر الرقمي، وهو توظيف التقنيات المتقدمة في نشر خطاب الكراهية والذكاء الاصطناعي. يأتي هذا الحوار في سياق عالمي مشحون بالاستقطاب، حيث أصبحت المنصات الرقمية ساحة رئيسية لنشر الأفكار المتطرفة، مما يستدعي تضافر الجهود الدولية لوضع أطر تنظيمية وأخلاقية صارمة.

لم تكن هذه القضية وليدة اللحظة، بل هي نتاج تطور متسارع في العقد الأخير شهد تحول وسائل التواصل الاجتماعي من أدوات للتواصل إلى محركات قوية للتأثير على الرأي العام. وقد سعت منظمات دولية ومؤسسات أكاديمية مرارًا إلى تسليط الضوء على المخاطر الكامنة في الخوارزميات التي قد تفضل المحتوى المثير للجدل على حساب الحوار البنّاء، مما يجعل من نقاشات مثل التي استضافتها جامعة نيويورك ضرورة ملحة لفهم أبعاد المشكلة واقتراح حلول عملية.

آليات التضليل الرقمي: كيف يغذي الذكاء الاصطناعي الكراهية؟

خلال المحاضرة، تم استعراض تفصيلي للآليات التي يتم من خلالها استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتعزيز الانقسام. وأوضح الدكتور العيسى أن الأمر يتجاوز مجرد المنشورات الفردية، ليشمل منظومات متكاملة تعمل على توليد المحتوى تلقائيًا، سواء كان نصوصًا أو صورًا أو مقاطع فيديو، مصممة خصيصًا لإثارة النعرات والتمييز. ومن أبرز هذه التقنيات “التزييف العميق” (Deepfake)، التي يمكن استغلالها لتشويه سمعة الأفراد والجماعات وخلق وقائع مزيفة يصعب تفنيدها، مما يؤجج العداء ويزعزع الثقة المجتمعية.

كما تطرق النقاش إلى “الاستهداف الخوارزمي”، حيث تُستخدم بيانات المستخدمين لتحليل سلوكياتهم وتوجيه محتوى الكراهية بشكل مباشر إلى الفئات الأكثر قابلية للتأثر به. ويتم تضخيم هذا التأثير عبر شبكات الحسابات الآلية (Bots)، التي تعمل على نشر المعلومات المضللة على نطاق واسع، وخلق انطباع زائف بوجود تأييد شعبي لأفكار هدامة، وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي والتعايش الإنساني.

المسؤولية المشتركة في مواجهة خطاب الكراهية والذكاء الاصطناعي

أكد الدكتور العيسى على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقنية. وشدد على البعد القانوني الدقيق، الذي يتمثل في إيجاد توازن حاسم بين حماية حرية التعبير ضمن حدودها المشروعة، وضرورة حماية المجتمعات من المحتوى التحريضي الذي يهدد نسيجها. وأشار إلى أن تحديد المسؤولية القانونية للفاعلين الرقميين، من الأفراد إلى المنصات التقنية الكبرى، يمثل حجر الزاوية في أي استراتيجية فعالة.

وفي هذا الإطار، تم تسليط الضوء على الدور التضامني لمؤسسات المجتمع المدني، مع التركيز بشكل خاص على الدور المحوري للمؤسسات الدينية في تقديم خطاب مضاد يعزز قيم التسامح والرحمة والاحترام المتبادل. واعتبر العيسى أن العلاج لا يكمن فقط في حجب المحتوى الضار، بل في دراسة أسباب انتشاره ومعالجتها من جذورها، عبر برامج توعوية وتعليمية تستند إلى دراسات واستطلاعات شاملة، لبناء حصانة مجتمعية ضد الأفكار المتطرفة وتعزيز ثقافة الحوار الإيجابي في الفضاء الرقمي.

spot_imgspot_img