يمثل الحج رحلة إيمانية فريدة تتطلب استعداداً بدنياً وذهنياً كبيراً، حيث يقطع ضيوف الرحمن مسافات طويلة بين المشاعر المقدسة في ظروف مناخية قد تكون قاسية. وفي خضم هذا الجهد البدني، يواجه الحجاج من مرضى السكري تحدياً صحياً إضافياً يتطلب وعياً ومسؤولية مضاعفة، ويأتي على رأس هذه التحديات خطر الإصابة بمضاعفات القدم السكرية، التي تُعد من أخطر تبعات المرض وقد تهدد سلامة رحلتهم الإيمانية.
لماذا تعتبر القدم السكرية خطراً داهماً في رحلة الحج؟
تاريخياً، كانت رحلة الحج محفوفة بالمشقة البدنية، ومع تطور الرعاية الصحية، أصبح بإمكان أعداد أكبر من المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري أداء هذه الفريضة. لكن هذا التقدم يضع على عاتق الحاج مسؤولية العناية بصحته. وتزداد خطورة القدم السكرية خلال الحج لعدة أسباب متداخلة؛ فالجهد البدني الكبير والمشي لمسافات طويلة يؤديان إلى تقلبات في مستويات سكر الدم. كما أن السير على أسطح ساخنة أو الازدحام الشديد يزيد من احتمالية الإصابة بجروح أو بثور أو حروق قد لا يشعر بها المريض المصاب باعتلال الأعصاب السكري، وهو تلف في الأعصاب يفقده الإحساس بالألم في قدميه. هذا النقص في الإحساس، مقترناً بضعف الدورة الدموية الذي يعاني منه الكثير من مرضى السكري، يخلق بيئة مثالية لتطور الجروح البسيطة إلى تقرحات عميقة والتهابات خطيرة قد يصعب علاجها.
وأوضح استشاري طب الأسرة، الدكتور عبدالله الزايدي، أن المشكلات البسيطة قد تتفاقم بسرعة إذا لم تُعالج في الوقت المناسب، مشيراً إلى أن تلف الأعصاب هو السبب الرئيسي الذي يجعل المريض غير مدرك للإصابة حتى تصل إلى مراحل متقدمة. وتتفاقم هذه المخاطر بسبب تغير نمط الحياة خلال الحج، بما في ذلك النظام الغذائي، ومواعيد النوم، والالتزام بالأدوية، مما يجعل التحكم في مستويات السكر أكثر صعوبة.
خطوات وقائية بسيطة لرحلة إيمانية آمنة
لتجنب هذه المضاعفات، تصبح الوقاية والعناية اليومية بالقدمين ضرورة قصوى. ويؤكد الخبراء على مجموعة من الإرشادات الأساسية التي يجب على كل حاج مصاب بالسكري الالتزام بها. وشدد استشاري أمراض الغدد الصماء والسكري، الدكتور عبدالرحمن الشيخ، على أهمية الفحص اليومي الدقيق للقدمين. وقال: “يجب على المريض تفقد قدميه يومياً بحثاً عن أي تشققات، جروح، بثور، احمرار، أو تورم، خاصة بين الأصابع. وإذا كان من الصعب عليه القيام بذلك بنفسه، يمكن الاستعانة بأحد أفراد العائلة”.
وتشمل الإجراءات الوقائية الأخرى ما يلي:
- اختيار الحذاء المناسب: يجب أن يكون الحذاء مريحاً وواسعاً ومصنوعاً من مواد تسمح بالتهوية. ومن الضروري فحص الحذاء من الداخل باليد قبل ارتدائه للتأكد من خلوه من أي أجسام غريبة أو حواف خشنة.
- النظافة والتجفيف: يجب غسل القدمين يومياً بالماء الدافئ وتجفيفهما بلطف، مع التركيز على المنطقة بين الأصابع لمنع نمو الفطريات.
- الترطيب: يُنصح باستخدام كريم مرطب على القدمين لمنع الجفاف والتشققات، مع تجنب وضعه بين الأصابع.
- الجوارب: يجب ارتداء جوارب قطنية نظيفة ومريحة وتغييرها يومياً، وتجنب الجوارب الضيقة التي قد تعيق الدورة الدموية.
- تجنب المشي حافياً: يمنع منعاً باتاً المشي دون حذاء، حتى داخل أماكن الإقامة، لتجنب الجروح والإصابات.
وحذر استشاري الباطنة، الدكتور أحمد المتولي، من أن إهمال التقرحات البسيطة قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة تصل إلى الغرغرينا، والتي قد تستدعي البتر. وأكد أن الإبلاغ الفوري للطبيب عند ملاحظة أي مشكلة هو مفتاح العلاج الناجح.
جهود سعودية متكاملة لحماية ضيوف الرحمن
إدراكاً منها لهذه المخاطر، تولي وزارة الصحة السعودية اهتماماً بالغاً بصحة الحجاج، وتنفذ منظومة متكاملة للوقاية من مضاعفات القدم السكرية. تبدأ هذه الجهود قبل وصول الحجاج عبر حملات توعوية دولية ومواد إرشادية بلغات متعددة. وخلال موسم الحج، تنتشر العيادات المتخصصة والفرق الطبية المتنقلة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، لتقديم خدمات الفحص والعلاج على مدار الساعة. تشمل هذه الخدمات الكشف المبكر عن اعتلال الأعصاب وضعف التروية الدموية، وعلاج الجروح، وتوفير الأحذية الطبية، ومتابعة مستويات السكر. وقد أسهمت هذه المبادرات، مثل “حج بلا مضاعفات”، في خفض معدلات الإصابة بشكل ملحوظ وتوفير بيئة صحية آمنة تمكّن الحجاج من أداء مناسكهم بطمأنينة وسلام.


