تبذل المملكة العربية السعودية جهوداً حثيثة ومستمرة في مكافحة التستر التجاري، تهدف من خلالها إلى حماية الاقتصاد الوطني وتوفير بيئة استثمارية عادلة وجاذبة لكافة الأطراف. وفي هذا السياق، تواصل وزارة التجارة والأجهزة الرقابية المختصة تعقب المخالفين وتطبيق العقوبات الرادعة بحقهم، مستندة إلى منظومة رقابية متكاملة تعتمد على تقنيات تحليل البيانات الضخمة، ورصد مؤشرات الاشتباه، والاستهداف المسبق للأنشطة الأكثر عرضة للممارسات غير النظامية لتجفيف منابع الاقتصاد الخفي.
تطور تاريخي في مكافحة التستر التجاري بالمملكة
تاريخياً، عانت الأسواق المحلية لسنوات طويلة من ظاهرة التستر التجاري، والتي شكلت بيئة خصبة لنمو الثراء غير المشروع وتدفق الأموال بطرق غير نظامية خارج البلاد عبر قنوات مشبوهة. ومع إطلاق رؤية المملكة 2030، وضعت الحكومة السعودية القضاء على هذه الظاهرة في مقدمة أولوياتها الاقتصادية. ولم يعد الأمر يقتصر على الملاحقة التقليدية، بل تطور إلى تأسيس “البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري” الذي يضم جهات حكومية متعددة تعمل بتنسيق مشترك لتصحيح الأوضاع الهيكلية للسوق وتطبيق معايير الامتثال العالمية.
الأثر الاقتصادي والاجتماعي للقضاء على التستر
إن نجاح جهود الدولة في هذا الملف يحمل أبعاداً وتأثيرات عميقة على كافة المستويات. محلياً، يساهم هذا الحراك في خفض معدلات البطالة عبر توفير فرص عمل حقيقية للمواطنين، وتعزيز عدالة المنافسة في الأسواق لحماية المنشآت الصغيرة والمتوسطة من الممارسات الاحتكارية. إقليمياً ودولياً، يعزز هذا الالتزام الصارم من موثوقية السوق السعودي كوجهة آمنة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما يرفع تصنيف المملكة في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال العالمية ويحد من مخاطر جرائم غسل الأموال والتحويلات المالية المشبوهة.
أحكام قضائية صارمة وتشهير بـ 119 مواطناً ومقيماً
في إطار هذه الحملات المستمرة، شهّرت وزارة التجارة بـ 119 مواطناً ومقيماً في 8 مناطق مختلفة بالمملكة (الرياض، مكة المكرمة، المدينة المنورة، الجوف، الشرقية، عسير، نجران، وجازان) بعد صدور أحكام قضائية نهائية ضدهم. وشملت الأنشطة المتورطة قطاعات حيوية مثل المقاولات، والمطاعم، وتجارة الجملة والتجزئة، والمستلزمات الطبية، وقطع غيار السيارات. وتنوعت العقوبات بين الغرامات المالية السخية، والسجن، وتصفية الأنشطة، وإلغاء التراخيص، وإبعاد الوافدين عن أراضي المملكة ومنعهم من العودة إليها للعمل.
قضايا بارزة: من مندوب مبيعات إلى تضخم الحسابات البنكية
ومن أبرز القضايا التي تم الكشف عنها، قضية تستر تجاري في قطاع إكسسوارات الهواتف بالرياض، حيث تم تمكين مقيم يمني يعمل بمهنة “مندوب مبيعات” من إدارة النشاط لحسابه الخاص دون رخصة استثمار أجنبي، وكشفت التحقيقات عن تضخم حساباته البنكية وتحويل مبالغ ضخمة للخارج. وفي قضية أخرى بالقصيم، تورط مواطنان وأربعة مقيمين في قطاعات المقاولات والأجهزة الطبية، حيث صدر حكم بمصادرة متحصلات الجريمة التي تجاوزت 239 مليون ريال سعودي بالإضافة إلى مصادرة 26 سيارة كانت تستخدم في النشاط غير المشروع. كما طالت العقوبات عيادة طبية للأسنان بالرياض تم تمكين وافد عربي من إدارتها مقابل نسبة 35% من الأرباح السنوية.
البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري: أرقام وإجراءات لعام 2025
يرتكز البرنامج الوطني على آليات صارمة تلزم المنشآت بالتعامل بالفواتير الإلكترونية وفتح حسابات بنكية تجارية للحد من التداول النقدي المشبوه. وخلال عام 2025، نفذ البرنامج أكثر من 35,280 زيارة تفتيشية أسفرت عن ضبط 1,017 حالة اشتباه أولية، ومباشرة 6,373 بلاغاً. كما تمت إحالة 724 مخالفة إلى لجنة النظر في المخالفات، و47 مخالفة إلى النيابة العامة، وبلغت الغرامات الصادرة بحق المخالفين 8.69 مليون ريال سعودي.
من هو الشريك في جريمة التستر وما هي العقوبات؟
أوضحت المحامية والمستشارة القانونية نجود القاسم أن عقوبة التستر التجاري قد تصل إلى السجن لمدة 5 سنوات وغرامة مالية تصل إلى 5 ملايين ريال. ويُعتبر شريكاً في الجريمة كل من حرض أو ساعد أو قدم المشورة مع علمه بالمخالفة، بالإضافة إلى كل من يعرقل عمل الجهات الرقابية أو يمتنع عن الإفصاح عن المعلومات الصحيحة والمضللة للجهات القضائية.


