قضت محكمة نمساوية في العاصمة فيينا بالسجن لمدة ثماني سنوات بحق ضابطين سابقين في الأجهزة الأمنية التابعة للنظام السوري، بعد إدانتهما بارتكاب جرائم تعذيب ممنهجة وانتهاكات صارخة بحق المعتقلين. وتأتي هذه الخطوة التاريخية لتعزز الجهود الأوروبية المستمرة في محاكمة ضباط النظام السوري المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان، مؤكدة على مبدأ عدم الإفلات من العقاب بغض النظر عن مرور الزمن أو تبدل الظروف السياسية على الساحة الدولية.
تفاصيل الأحكام القضائية والاتهامات الموجهة للضابطين
أدانت المحكمة الإقليمية الجنائية في فيينا كلاً من خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة، بعد محاكمة استمرت شهراً كاملاً وشهدت تفاصيل مروعة عن الانتهاكات المرتكبة في سوريا. واستندت المحكمة في حكمها إلى شهادات حية وموثقة أدلى بها أكثر من 12 ضحية من الناجين، والذين أكدوا أمام القضاة تعرضهم لأساليب تعذيب وحشية شملت الضرب المبرح، الصعق بالكهرباء، وسكب المياه الساخنة والباردة على أجسادهم العارية.
وكان المتهم الرئيسي، خالد الحلبي، يرأس فرع أمن الدولة (الفرع 335) في محافظة الرقة منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية عام 2011 وحتى عام 2013، قبل أن يفر إلى النمسا ويتقدم بطلب لجوء هناك. ورغم نفيه المعرفة بوجود أدوات تعذيب شهيرة مثل “بساط الريح” في مقر عمله، إلا أن المحكمة أكدت أنه كان على دراية تامة وبشكل مسؤول عن سوء معاملة المحتجزين. أما المتهم الثاني، مصعب أبو ركبة، فقد كان يشغل منصب رئيس قسم التحقيقات في المباحث الجنائية بالرقة، وكان يُلقب بين المعتقلين بـ “ملك الموت” نظراً لقسوته الشديدة.
محاكمة ضباط النظام السوري: سياق العدالة الدولية العابرة للحدود
تندرج هذه الأحكام القضائية الصادرة في النمسا ضمن مسار قانوني أوسع يعتمد على مبدأ “الولاية القضائية العالمية”. هذا المبدأ يتيح للمحاكم الوطنية في الدول الأوروبية مقاضاة الأفراد المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، حتى لو ارتكبت خارج حدودها الجغرافية ولم يكن الضحايا أو الجناة يحملون جنسيتها. ومنذ عام 2011، وثقت المنظمات الحقوقية آلاف الانتهاكات الممنهجة داخل مراكز الاحتجاز السورية، مما جعل من محاكمة ضباط النظام السوري في أوروبا الأداة القانونية الأبرز لملاحقة المتورطين وتحقيق العدالة للضحايا في ظل غياب المحاسبة المحلية.
الأثر الإقليمي والدولي لملاحقة مرتكبي الانتهاكات
تحمل هذه الإدانات رسائل بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية؛ فهي تمثل اعترافاً قضائياً رسمياً بالمعاناة الإنسانية التي عاشها المعتقلون السوريون، وتوثق الجرائم المرتكبة كحقائق تاريخية لا يمكن إنكارها. وعلى الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه المحاكمات يبعث برسالة حازمة إلى كافة مرتكبي الانتهاكات حول العالم بأن اللجوء إلى الدول الغربية لن يضمن لهم النجاة من الحساب، وأن ملف حقوق الإنسان يظل حياً وقابلاً للملاحقة الجنائية الفعالة، مما يساهم في صياغة مستقبل أكثر التزاماً بالقانون الدولي الإنساني.


