في تحليل لافت لتوجهات السياسة النقدية الأمريكية، أشار نيراج سيث، رئيس قسم الدخل الثابت لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «بلاك روك»، إلى أن الاحتياطي الفيدرالي قد يجد نفسه أمام أسباب كافية للشروع في دورة خفض الفائدة بدلاً من مواصلة التشديد النقدي. ويأتي هذا التصريح في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية بقلق الخطوات التالية للبنك المركزي الأقوى في العالم، والذي يخوض معركة شرسة ضد التضخم منذ أكثر من عامين.
وفي مقابلة مع وكالة «بلومبيرغ»، أوضح سيث أن سوق العمل في الولايات المتحدة، الذي أظهر مرونة استثنائية حتى الآن، من المرجح أن يواجه ضغوطاً متزايدة في المستقبل القريب. هذه الضغوط، إذا ما تحققت، قد تشكل نقطة تحول تدفع الفيدرالي إما إلى تثبيت أسعار الفائدة لفترة أطول أو، وهو السيناريو الذي تزداد احتماليته، البدء في خفضها لتجنب انكماش اقتصادي حاد.
معركة الفيدرالي ضد التضخم: سياق تاريخي وقرارات حاسمة
لفهم أهمية هذه التوقعات، لا بد من العودة إلى السياق الذي تعمل فيه لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية. فبعد أن وصلت معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها في أربعة عقود خلال عام 2022، أطلق الفيدرالي بقيادة جيروم باول واحدة من أسرع دورات رفع الفائدة في تاريخه، حيث ارتفعت الفائدة من قرب الصفر إلى نطاق 5.25% – 5.50%. كان الهدف الأساسي هو كبح جماح الأسعار وإعادة التضخم إلى الهدف المحدد عند 2%. ورغم نجاح هذه السياسة في خفض التضخم بشكل ملحوظ، إلا أنها حملت معها مخاطر إبطاء النمو الاقتصادي بشكل مفرط.
سوق العمل الأمريكي: مؤشر حاسم لقرار خفض الفائدة
يعمل الاحتياطي الفيدرالي وفق تفويض مزدوج: تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار. وبينما كان التركيز في الفترة الماضية منصباً على التضخم، فإن أي ضعف كبير في سوق العمل سيجبر صناع السياسة على إعادة تقييم أولوياتهم. وأضاف سيث أن الاقتصاد الأمريكي يشهد بالفعل بعض العوامل الإيجابية، مثل الطفرة الاستثمارية في قطاع الذكاء الاصطناعي، لكن هذه العوامل قد لا تكون كافية لتعويض التباطؤ المحتمل في قطاعات أخرى وتأثيره على التوظيف. حالة عدم اليقين هذه تجعل قرار الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خياراً آمناً على المدى القصير، لكنها تفتح الباب بقوة أمام خفضها لاحقاً هذا العام أو في العام المقبل.
التأثيرات على الاقتصاد العالمي والأسواق المالية
إن أي تحول في سياسة الفيدرالي نحو خفض الفائدة لن يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة وحدها، بل سيمتد إلى جميع أنحاء العالم. تاريخياً، يؤدي خفض الفائدة الأمريكية إلى إضعاف الدولار، مما يوفر متنفساً للاقتصادات الناشئة التي تعاني من ديون مقومة بالدولار. كما أنه يعزز شهية المستثمرين للأصول ذات المخاطر العالية مثل الأسهم والسلع. ومع ذلك، يظل التحدي قائماً في الموازنة بين دعم النمو ومواجهة الضغوط التضخمية التي قد تنشأ مجدداً بفعل التوترات الجيوسياسية العالمية، وهو ما يجعل مهمة الفيدرالي معقدة للغاية في الأشهر القادمة.


