في تصعيد جديد للصراع الممتد، شنت القوات الأوكرانية هجمات مكثفة على منطقتي بيلغورود وبريانسك الروسيتين الحدوديتين، مما أسفر عن مقتل شخصين على الأقل في بيلغورود. ويأتي هذا هجوم أوكرانيا على بيلغورود كرد فعل مباشر على القصف الروسي الذي استخدم صواريخ “أوريشنيك” الباليستية، والتي يُعتقد أنها قادرة على حمل رؤوس حربية نووية. لكن اللافت في هذا الهجوم الأوكراني ليس فقط حجمه، بل التكنولوجيا المستخدمة فيه، حيث كشفت كييف عن اعتمادها على نظام حرب إلكترونية محلي متطور يُعرف باسم “ليما”، والذي يهدف إلى تحييد التهديدات الروسية بطريقة مبتكرة وفعالة.
سياق الهجمات المتبادلة على الحدود
منذ بداية الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، لم تكن مناطق الحدود الروسية، وبخاصة بيلغورود، بمنأى عن نيران الحرب. نظراً لقربها الجغرافي من أوكرانيا ودورها كقاعدة لوجستية وعسكرية للقوات الروسية، أصبحت المدينة هدفاً متكرراً للهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ. تأتي هذه الهجمات في الغالب ضمن استراتيجية أوكرانية تهدف إلى نقل الحرب إلى العمق الروسي، وتقويض معنويات السكان، وتعطيل خطوط الإمداد العسكرية. وتعتبر هذه الجولة من القصف تصعيداً خطيراً، حيث تأتي رداً على استخدام روسيا لأسلحة باليستية متطورة، مما يضع المنطقة في دائرة عنف مفرغة ويزيد من المخاطر على المدنيين على جانبي الحدود.
نظام ‘ليما’: سلاح أوكرانيا الجديد في الحرب الإلكترونية
كشفت مجلة “بوليتيكو” الأمريكية تفاصيل نظام “ليما” الذي لجأت إليه أوكرانيا، وهو نظام حرب إلكترونية لا يعتمد على اعتراض الصواريخ وتدميرها في الجو كما تفعل أنظمة الدفاع الجوي التقليدية مثل “باتريوت”، بل يعمل على تضليلها. يقوم النظام بالتشويش على إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية (مثل GPS وGLONASS) التي تعتمد عليها الصواريخ والطائرات المسيرة الروسية لتحديد أهدافها. من خلال بث إشارات مزيفة، يقوم “ليما” بخداع أنظمة التوجيه في الأسلحة الروسية، مما يؤدي إلى انحرافها عن مسارها وسقوطها في مناطق خالية بدلاً من إصابة أهدافها الحيوية. تم تطوير هذا النظام بواسطة شركة “كاسكيد سيستمز” الناشئة في مجال الدفاع، ومقرها الولايات المتحدة، وبدأ الجيش الأوكراني في استخدامه فعلياً في يوليو 2024.
التداعيات الاستراتيجية بعد هجوم أوكرانيا على بيلغورود
إن استخدام نظام “ليما” في هجوم أوكرانيا على بيلغورود يحمل في طياته تداعيات استراتيجية هامة. أولاً، يقدم حلاً فعالاً ومنخفض التكلفة نسبياً مقارنة بالصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن. فبينما يكلف صاروخ “باتريوت” الواحد ملايين الدولارات، فإن تكلفة حماية مدينة كبيرة باستخدام وحدات “ليما” لا تتجاوز تكلفة صاروخ واحد، مما يمنح أوكرانيا قدرة أكبر على حماية بنيتها التحتية على نطاق أوسع. ثانياً، يمثل هذا النظام نقلة نوعية في قدرات أوكرانيا في مجال الحرب الإلكترونية، ويظهر اعتمادها المتزايد على الابتكار التكنولوجي لمواجهة التفوق العددي الروسي. وعلى الصعيد الدولي، يبرز هذا التطور مدى ضعف الأسلحة الحديثة التي تعتمد بشكل كلي على أنظمة الملاحة الفضائية، وقد يدفع الجيوش حول العالم إلى إعادة تقييم استراتيجياتها وتطوير أنظمة توجيه بديلة أكثر مقاومة للتشويش.


