أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، أن بلاده لعبت دوراً صادقاً ومحورياً في جهود الوساطة الباكستانية بين أمريكا وإيران، بهدف نزع فتيل التوتر في منطقة الشرق الأوسط. جاءت هذه التصريحات خلال اجتماع هام مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في بكين، حيث أشار شريف إلى إحراز “تقدم كبير” في المفاوضات بين واشنطن وطهران، مؤكداً أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، وذلك على الرغم من الأجواء التي تشير إلى تراجع التفاؤل العام بإمكانية تحقيق انفراجة وشيكة.
تأتي هذه المساعي الدبلوماسية في سياق تاريخي معقد من العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تفاقمت بشكل كبير بعد انسحاب واشنطن أحادياً من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وما تلاه من فرض سياسة “الضغوط القصوى” على طهران. ومنذ ذلك الحين، شهدت المنطقة تصعيداً خطيراً هدد مراراً وتكراراً بالانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وفي هذا المشهد المشحون، برزت الحاجة إلى قنوات اتصال غير مباشرة ولاعبين إقليميين قادرين على بناء جسور الثقة، وهو الدور الذي تسعى باكستان للعبه، مستفيدة من علاقاتها الجيدة نسبياً مع كل من طهران، التي تشاركها حدوداً طويلة ومصالح مشتركة، وواشنطن، التي تعتبرها حليفاً استراتيجياً في قضايا أخرى.
أهمية الوساطة الباكستانية بين أمريكا وإيران
تكتسب المبادرة الباكستانية أهمية استراتيجية تتجاوز حدود البلدين المعنيين. فأي نجاح في تخفيف حدة التوتر بين واشنطن وطهران لن يقتصر أثره على منع نشوب صراع مدمر في الخليج، بل سيمتد ليشمل استقرار أسواق الطاقة العالمية التي تتأثر بشكل مباشر بأمن الممرات الملاحية الحيوية في المنطقة. كما أن التوصل إلى تفاهمات، حتى لو كانت جزئية، من شأنه أن يعزز مكانة إسلام آباد الدبلوماسية كوسيط نزيه ومؤثر على الساحة الدولية، وهو ما يفسر الدعم القوي الذي أبدته الصين لهذه الجهود، حيث أثنى الرئيس شي جين بينغ على مبادرة باكستان لإحلال السلام، وهو ما يتماشى مع الدور الصيني المتنامي في دبلوماسية المنطقة، والذي تجلى بوضوح في رعايتها لاتفاق استئناف العلاقات بين السعودية وإيران.
تحديات قائمة وتفاؤل حذر
على الرغم من تأكيدات رئيس الوزراء الباكستاني، فإن الطريق نحو اتفاق دائم لا يزال محفوفاً بالعقبات. فالتصريحات الصادرة من كل من واشنطن وطهران في الآونة الأخيرة قللت من فرص تحقيق اختراق فوري، حيث يتمسك كل طرف بشروطه. الإدارة الأمريكية تشدد على ضرورة التوصل لاتفاق “أقوى وأطول أمداً” يغطي كافة أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، بينما تصر إيران على رفع كامل للعقوبات كشرط أساسي للعودة إلى التزاماتها النووية. وأشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى عدم وجود خطط حالية لإرسال وفد تفاوضي إلى باكستان، مما يعكس صعوبة الموقف. هذه المواقف المتصلبة تجعل من مهمة الوسيط الباكستاني مهمة شاقة تتطلب صبراً دبلوماسياً وقدرة على إيجاد أرضيات مشتركة، وهو ما أكده حضور قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، في زيارة بكين، مما يبرز ثقل المؤسسة العسكرية في دعم هذه المبادرات السياسية الحساسة.


