spot_img

ذات صلة

تقارب القاهرة ودمشق: زيارة وزير خارجية سورية لمصر تفتح آفاقاً جديدة

في خطوة دبلوماسية بارزة، شهدت القاهرة زيارة رسمية رفيعة المستوى لوزير الخارجية والمغتربين السوري، الدكتور فيصل المقداد، حيث التقى بنظيره المصري، سامح شكري. تأتي هذه الزيارة، التي جرت في أبريل 2023، كأول زيارة رسمية لوفد دبلوماسي سوري رفيع المستوى إلى العاصمة المصرية منذ سنوات طويلة من التوتر والقطيعة، مؤذنة ببدء مرحلة جديدة من تقارب القاهرة ودمشق والسعي نحو إذابة الجليد بين البلدين الشقيقين. تهدف هذه اللقاءات إلى تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتفتح آفاقًا واسعة للتعاون المستقبلي.

خلفية تاريخية: سنوات من التوتر والقطيعة

لطالما كانت العلاقات المصرية السورية عميقة ومتجذرة عبر التاريخ، إلا أنها شهدت تدهورًا كبيرًا منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011. أدت الأحداث المتسارعة في سوريا إلى تعليق عضويتها في جامعة الدول العربية في نوفمبر 2011، مما أثر بشكل مباشر على العلاقات الدبلوماسية بين دمشق والعديد من العواصم العربية، بما فيها القاهرة. ورغم أن مصر لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية بالكامل مع سوريا، إلا أن مستوى التمثيل انخفض بشكل ملحوظ، وتوقفت الزيارات الرسمية رفيعة المستوى لسنوات. اتسم الموقف المصري خلال الأزمة السورية بالدعوة إلى حل سياسي يحافظ على وحدة الأراضي السورية ومؤسسات الدولة، مع التأكيد على أهمية دور الشعب السوري في تقرير مصيره.

شهدت السنوات الأخيرة بعض المؤشرات على رغبة في استئناف الحوار، كان أبرزها الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية المصري سامح شكري بنظيره السوري في فبراير 2023، لتقديم التعازي والدعم بعد الزلزال المدمر الذي ضرب سوريا وتركيا. تبع ذلك زيارة شكري إلى دمشق في نفس الشهر، وهي أول زيارة لوزير خارجية مصري إلى سوريا منذ عام 2011، مما مهد الطريق لهذه الزيارة التاريخية للمقداد إلى القاهرة.

دلالات الزيارة: نحو إذابة الجليد بين القاهرة ودمشق

تكتسب زيارة الدكتور فيصل المقداد إلى القاهرة أهمية استثنائية كونها تمثل تتويجًا لجهود متواصلة لكسر الجمود وإعادة بناء الثقة. لم تكن هذه الزيارة مجرد لقاء بروتوكولي، بل حملت في طياتها رسائل واضحة حول رغبة البلدين في تجاوز الماضي والتركيز على المصالح المشتركة. وقد جاءت بعد أيام قليلة من لقاء تاريخي جمع الرئيس السوري بشار الأسد بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش القمة العربية في جدة بالمملكة العربية السعودية في مايو 2023، وهو اللقاء الأول بينهما منذ أكثر من عقد، مما عكس زخمًا إقليميًا متزايدًا نحو إعادة دمج سوريا في محيطها العربي.

خلال الزيارة، التقى وزير الخارجية السوري ووزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السوري، الدكتور نضال الشعار، مع وزير الصناعة المصري المهندس خالد هاشم ورئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة الدكتور محمد عوض. تركزت هذه اللقاءات على سبل تطوير التعاون الاقتصادي والصناعي والاستثماري بين البلدين، مع التركيز على توسيع الشراكات الثنائية وفتح آفاق جديدة للتعاون تعزز المصالح المشتركة وتدعم التكامل الاقتصادي بين سوريا ومصر. كما تم توقيع مذكرتي تفاهم بين الاتحاد السوري لغرف التجارة والاتحاد المصري لغرف التجارة، وأخرى مع الاتحاد الإفريقي لغرف التجارة، بحضور وزير الاقتصاد السوري ووزير المالية المصري ياسر برنية ورئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية أحمد الوكيل، مما يؤكد على الجدية في دفع العلاقات الاقتصادية قدمًا.

التأثير الإقليمي والدولي للتقارب

لا يقتصر تأثير تقارب القاهرة ودمشق على العلاقات الثنائية فحسب، بل يمتد ليشمل المشهد الإقليمي والدولي. فعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية في مايو 2023، والتي سبقتها هذه الزيارات واللقاءات، تعكس تحولًا في المواقف العربية تجاه دمشق، وتؤشر إلى رغبة جماعية في تعزيز الاستقرار الإقليمي ومواجهة التحديات المشتركة. ترى مصر أن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة ككل، وأن دعم جهود الدولة السورية في إعادة الإعمار وعودة اللاجئين يصب في مصلحة الجميع.

على الصعيد الدولي، يمكن أن يسهم هذا التقارب في تعزيز الجهود الرامية إلى إيجاد حلول سياسية للأزمة السورية، وتقليل التدخلات الخارجية، وتمكين الدول العربية من لعب دور أكبر في مستقبل سوريا. كما يبعث برسالة واضحة بأن الحوار والدبلوماسية هما السبيل الأمثل لتسوية النزاعات وبناء جسور التعاون، حتى بعد سنوات طويلة من التباعد. إن تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر وسوريا يمكن أن يخلق فرصًا جديدة للنمو ويساهم في تحسين الظروف المعيشية للشعبين، وهو ما أكده الجانب المصري خلال الاتصالات واللقاءات، مشددًا على أهمية البناء على نتائج هذه الزيارات لتحقيق المصالح المشتركة للبلدين والشعبين.

spot_imgspot_img