كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، يوم الثلاثاء، عن مساعٍ حثيثة من تل أبيب لواشنطن لاستئناف الحرب على إيران، واصفة المفاوضات الجارية بأنها “مضيعة للوقت”. تأتي هذه المطالبة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتؤكد على رغبة القيادة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في استئناف الهجمات ضد أهداف إيرانية، معتبرة أن الوقت قد حان لاستغلال التصعيد الحالي في منطقة الخليج لتوجيه ضربات جديدة. هذه الخطوة، إن تمت، تحمل في طياتها مخاطر جمة قد تدفع المنطقة بأسرها نحو مواجهة شاملة ذات تداعيات لا يمكن التنبؤ بها.
جذور التوتر: عقود من المواجهة الإسرائيلية الإيرانية
إن العلاقة بين إسرائيل وإيران لم تكن يوماً مستقرة، بل هي محكومة بتاريخ طويل من العداء والتوترات الجيوسياسية. منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تحولت إيران من حليف إقليمي لإسرائيل إلى خصم لدود، مدفوعة بأيديولوجية معادية للوجود الإسرائيلي. تصاعدت حدة هذه المواجهة بشكل خاص مع تقدم البرنامج النووي الإيراني، الذي تعتبره إسرائيل تهديداً وجودياً لأمنها القومي. لطالما دعت إسرائيل إلى اتخاذ إجراءات عسكرية حاسمة لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية، بينما سعت القوى الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، إلى حل دبلوماسي، كان أبرزها الاتفاق النووي لعام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة).
انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران، أدى إلى تصعيد كبير في التوترات. ترى إسرائيل أن هذا الانسحاب كان خطوة ضرورية لزيادة الضغط على إيران، بينما اعتبرت طهران الخطوة انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، مما دفعها تدريجياً إلى التراجع عن بعض التزاماتها النووية. هذا السياق التاريخي المعقد يفسر جزئياً الإلحاح الإسرائيلي الحالي لاستئناف العمليات العسكرية، مدفوعاً بالاعتقاد بأن الدبلوماسية قد استنفدت أغراضها.
مطالب إسرائيلية بتصعيد الهجمات: دعوة لاستئناف الحرب على إيران
نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر قولها إن إسرائيل نقلت رسالة إلى واشنطن مفادها أن القيادة الأمنية والعسكرية ترغب في استئناف الهجمات على إيران. وأشارت المصادر إلى أن إسرائيل ترغب في استغلال التصعيد الحالي في الخليج للعودة لشن هجمات في إيران، كاشفة عن وضع مسؤولين عسكريين إسرائيليين وأمريكيين في أبريل بنك أهداف جديد. وذكرت الهيئة أن معظم الأهداف الجديدة المحددة في إيران هي منشآت للنفط الخام، مما يشير إلى استهداف البنية التحتية الاقتصادية الحيوية لإيران.
تداعيات إقليمية ودولية: شبح الصراع الواسع
إن استئناف أي عمل عسكري واسع النطاق، أو حتى مجرد تصعيد عسكري محدود، يحمل في طياته تداعيات خطيرة على الاستقرار الإقليمي والدولي. منطقة الخليج العربي، التي تعد شرياناً حيوياً لإمدادات النفط العالمية، ستكون في صلب أي مواجهة. مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من النفط العالمي، يمثل نقطة اشتعال محتملة. أي تعطيل لحركة الملاحة فيه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط، مما يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. كما أن هذا التصعيد قد يؤدي إلى زعزعة استقرار دول الجوار، وتأجيج الصراعات بالوكالة، وتوسيع دائرة العنف في منطقة تعاني أصلاً من ويلات الحروب.
على الصعيد الدولي، ستجد القوى الكبرى نفسها أمام تحدٍ دبلوماسي وعسكري هائل. فبينما تدعم الولايات المتحدة إسرائيل، فإنها قد تكون مترددة في الانجرار إلى صراع مباشر واسع النطاق مع إيران، خاصة في ظل التحديات الداخلية والخارجية الأخرى. كما أن دولاً مثل روسيا والصين، التي تربطها علاقات مع إيران، قد تتدخل لتعقيد المشهد، مما يحول الصراع إلى أزمة دولية أوسع نطاقاً.
تحذيرات إيرانية وتأكيدات أمريكية: صراع الإرادات في الخليج
تأتي التسريبات الإسرائيلية في الوقت الذي نقلت فيه قناة “برس تي في” عن مصادر إيرانية قولها إن طهران أطلقت آلية رسمية جديدة لإدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، مبينة أن الآلية الإيرانية الجديدة لعبور المضيق تتضمن الحصول على تصريح مسبق. وأفادت المصادر أن السفن التي توافق على مرورها ستتلقى بريداً إلكترونياً يتضمن تعليمات عبور مضيق هرمز. من جهته، قال الحرس الثوري الإيراني إن تحويل مسار السفن داخل مضيق هرمز إلى ممر مخالف لما حددته إيران أمر غير آمن، وسيواجه برد حاسم. يأتي ذلك بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إطلاق مشروع الحرية للمساعدة على إخراج سفن عالقة من المضيق.
في غضون ذلك، جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد على أن الولايات المتحدة تسيطر بشكل كامل على مضيق هرمز، مطالباً طهران بالاستسلام. وقال ترامب في تصريحات من البيت الأبيض “ينبغي لإيران أن ترفع الراية البيضاء، وتستسلم”، مضيفاً: “طهران تماطل، لكنها تريد إبرام اتفاق، والآن تحترمنا أكثر من أي وقت مضى”. وحول الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية، قال ترامب: “لم تخترق أي سفينة الحصار”. هذه التصريحات المتضاربة تعكس تعقيد الموقف، حيث تتأرجح واشنطن بين التهديد العسكري والدعوة إلى التفاوض، بينما تصر إسرائيل على الحل العسكري.


