تعتبر سيرة أيام في العائلة للكاتب نجيب ما جوار الحسيني، الصادرة في يونيو 2021 تحت عنوان فرعي “سيرة غير مهيأة للحقيقة المطلقة”، واحدة من النصوص الأدبية الوجدانية التي تغوص في عمق العلاقات الأسرية والروابط الإنسانية المتشابكة. يطرح النص تساؤلات جوهرية حول الذاكرة، الفقد، والتمسك بالجذور في مواجهة عواصف التغيير والزمن. تدور أحداث هذا النص حول عائلة تواجه تشتتاً جغرافياً ونفسياً، حيث تبرز شخصية الأم الكبرى “نايلة” وابنتها الأم الصغيرة “غصون” كرمزين للصمود والبقاء في القرية، بينما يمثل السفر إلى الشمال خياراً حتمياً يفرضه المرض والواقع المعيشي المرير.
الذاكرة والهوية في نص أيام في العائلة
في السياق الأدبي العام، تعكس كتابة السير الذاتية والوجدانية في الأدب العربي المعاصر محاولات دؤوبة لتوثيق التحولات الاجتماعية والثقافية التي طرأت على الريف العربي. يبرز في نص أيام في العائلة هذا الصراع الأزلي بين البقاء في أرض الأجداد والارتحال نحو المراكز الحضرية أو “الشمال” بحثاً عن العلاج والفرص. الكاتب هنا لا يقدم مجرد سرد عائلي عابر، بل يؤسس لخلفية تاريخية واجتماعية ترتبط بالهوية التهامية وسحنة الأرض التي ينتمي إليها أبطال القصة. إن التنازل عن الذاكرة المثقلة بالخيبات يصبح شرطاً أولياً للمضي قدماً، لكنه تنازل صعب المنال عندما تكون الجذور ضاربة في عمق الدار وحوائطها القديمة التي ترفض الزوال.
صراع البقاء ومقاومة الرحيل نحو الشمال
تتجلى حبكة النص في المقاومة الشرسة التي تبديها الأم الكبرى “نايلة”، التي تجاوزت السبعين من عمرها، ومعها ابنتها “غصون” التي تقترب من الستين، ضد فكرة الرحيل. يمثل “الشمال” في الوعي الجمعي للشخصيات مكاناً غريباً يسرق العمر البكر ويثقل كاهل الإنسان بالمساءلات والهموم. ورغم أن المرض يطرق باب “غصون” بقوة، مستدعياً تدخلاً جراحياً شاقاً وعلاجاً لا يتوفر إلا في الشمال، إلا أن الأمين تصران على البقاء في القرية حيث الزمن يبدو طفلاً هادئاً لا يشيخ. يتدخل الابن “صالح” وبقية أفراد العائلة لفرض خيار السفر كضرورة علاجية، مما يخلق فجوة وجدانية وحسرة فادحة في قلب الأم الكبرى التي ترى في هذا الرحيل ضعفاً لأيام ابنتها في الحياة واقتراباً من النهاية.
الأبعاد الإنسانية والرمزية لمرض غصون وصمت القرية
تكمن الأهمية الكبرى لهذا الحدث وتأثيره المتوقع على المستوى الثقافي والاجتماعي في تسليط الضوء على قضايا الشيخوخة، الرعاية الصحية في المناطق النائية، والتضامن الأسري. إن مرض “غصون” يتحول من عارض صحي شخصي إلى رمز لمرض القرية وتداعي أركانها أمام زحف التحديث والاضطرار للهجرة. يحاول الجميع إخفاء حقيقة المرض الشاق عن الأم الكبرى خوفاً على سلامتها النفسية، لكن هذا الصمت والتحفظ يثير في نفسها شكوكاً أعمق. وفي المقابل، تظل الأم الكبرى متمسكة بقيم الضيافة والبر، داعية نسوة الأهل لزيارة ابنتها المريضة والمبيت في غرفتها، متسلحة بإيمان فطري عميق ومشيئة إلهية تتجاوز تحذيرات الأطباء والواقع المرير.
مواجهة الخوف وفلسفة الصبر والانتصار
ينتهي النص بقراءة فلسفية عميقة لمفهوم الخوف والصبر في مواجهة الأقدار. فالخوف هنا ليس خوفاً من الموت بحد ذاته، بل هو الخوف من الألم والوهن الذي يصيب الجسد ويفكك العائلة. يضع الكاتب القارئ أمام حقيقة مريرة: سيان أن يصبر الأبطال أو يستسلموا، فإن المرض والزمن يفرضان سطوتهما كخصم عنيد يبصر انتصاره جيداً. ومع ذلك، يظل البقاء في الدار، حتى في أحلك الظروف، نوعاً من الانتصار الرمزي الذي لا يحتاج إلى تبرير. إنها رحلة الوداع التي يزهر فيها الحب ويشيع صيتها في حكاية المرض، لتظل سيرة أيام في العائلة وثيقة أدبية وإنسانية بالغة التأثير تلامس قلوب القراء وتعيد تعريف مفهوم العائلة والوفاء للجذور.


