spot_img

ذات صلة

عيد الحجيلي: العمل الإداري في المؤسسة الثقافية يستنزف المبدع

في حوار أدبي مفعم بالشفافية والعمق، يطل علينا الشاعر السعودي الكبير عيد الحجيلي ليفتح قلبه وعقله حول شجون الكتابة وهموم الثقافة المعاصرة. يُعرف الحجيلي بقصائده التي تحمل طزاجة فاكهة الصباح وأريج نعناع المدينة المنورة وحبقها، وهو ليس مجرد صانع قوافي، بل كينونة من الوفاء والمشاعر النقية التي تتسق مع طيبة أرضه. وفي هذا اللقاء، يطرح الحجيلي رؤية نقدية جريئة حول واقع العمل الثقافي، مؤكداً أن العمل الإداري داخل أروقة المؤسسات الثقافية لا يضيف للمبدع شيئاً، بل يمثل استنزافاً حقيقياً لوقته وطاقته الإبداعية التي يجب أن تكرس لإنتاج النص الأدبي.

رؤية عيد الحجيلي حول العمل الإداري والإبداع

يرى الشاعر عيد الحجيلي أن الانخراط في العمل الإداري داخل المؤسسة الثقافية، رغم نبل أهدافه في خدمة الآخرين وتهيئة المناخ الملائم لازدهار الأدب، يستهلك طاقة الأديب ويحرمه من التفرغ لمشروعه الخاص. ويستند الحجيلي في هذا الرأي إلى تجربته الطويلة في نادي المدينة المنورة الأدبي، وإدارته لجمعية الثقافة والفنون بالمدينة، وهي تجارب رغم ثرائها ومتعتها، إلا أنها أكدت له أن الإدارة تقتطع من عمر الإبداع الشخصي لصالح العمل العام، حيث يصبح المبدع مكرساً لخدمة نتاج الآخرين على حساب نتاجه الشخصي.

السياق التاريخي للأندية الأدبية وتحولاتها المعاصرة

لفهم هذا الصراع بين الإدارة والإبداع، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية للأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية، والتي شكلت على مدار خمسة عقود الركيزة الأساسية للحراك الثقافي المحلي والإقليمي. تأسست هذه الأندية بجهود نخب فكرية لتقديم منبر حر للأدباء، وارتبطت بأسماء قامات كبرى أسهمت في صياغة الوعي الجمعي وتصدير الأدب السعودي إلى العالم العربي. ومع ذلك، يرى الحجيلي أن المقارنة بين الماضي والحاضر قد تبدو غير عادلة؛ فالأندية الأدبية بإرثها التاريخي تختلف عن الكيانات الحديثة مثل “الشريك الأدبي” والصالونات الثقافية التي تنشط اليوم في بيئة ثقافية مكتظة بالفعاليات المتنوعة، مما يفرض تحديات جديدة على المؤسسة الثقافية التقليدية ويتطلب مرونة أكبر لمواكبة العصر.

قصيدة النثر وصراع الأشكال الشعرية في ديوان العرب

وفي سياق حديثه عن الفن الشعري، يعبر الحجيلي عن انحيازه الذوقي لقصيدة التفعيلة والشعر الحديث، معتبراً أن النص الشعري الحقيقي يتجاوز القوالب الشكلية الجاهزة. ويتطرق إلى الجدل التاريخي حول “قصيدة النثر” التي واجهت استهجاناً كبيراً في بداياتها قبل أن تفرض حضورها كجزء أصيل من نسيج الأدب العربي المعاصر. ويستحضر الحجيلي في هذا الصدد كتابات سوزان برنار ودور مجلة “شعر” اللبنانية، بالإضافة إلى تجربة الشاعر الأمريكي والت ويتمان في ديوانه “أوراق العشب”، مشيراً إلى أن قصيدة النثر وسعت مفهوم الشعر ومنحت المبدعين فضاءً أرحب للتجريب والاشتباك مع تعقيدات العصر الحديث بعيداً عن رتابة القصيدة العمودية المستهلكة.

مستقبل الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية

لا يمكن عزل الحراك الثقافي اليوم عن الثورة التكنولوجية المتسارعة، وهنا يعبر الحجيلي عن قلقه الإنساني والكتابي من تسارع أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT في توليد النصوص. ويؤكد أن النصوص المولدة رقمياً تفتقر إلى الروح والوعي الإنساني، فهي مجرد إعادة تدوير للمألوف بأساليب باردة مكررة. كما ينتقد السطحية التي تروج لها بعض منصات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” ومنصة “X” (تويتر سابقاً)، حيث أدى اللهاث خلف أرقام المشاهدات السريعة إلى استسهال الكتابة وارتفاع منسوب الرداءة. ومع ذلك، يظل الحجيلي متفائلاً بقدرة الثقافة العربية الأصيلة على البقاء وصيانة ذاكرتها الحضارية بفضل عمقها التاريخي وقدرتها المستمرة على التجدد ومواجهة التحديات الرقمية الحديثة.

spot_imgspot_img