شهدت الساحة السودانية تطوراً ميدانياً بارزاً يعكس عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها الفصائل المسلحة، حيث كشفت مصادر سودانية متطابقة وشهود عيان عن حدوث انشقاق عن قوات الدعم السريع شمل وصول مجموعة عسكرية قوامها نحو 280 عنصراً بكامل عتادهم العسكري إلى العاصمة الخرطوم، بعد انسحابهم من جبهات القتال في إقليم دارفور وإعلان انضمامهم إلى صفوف القوات المسلحة السودانية.
دلالات الانهيار الداخلي وتوالي عمليات انشقاق عن قوات الدعم السريع
تأتي هذه الخطوة الأخيرة لتؤكد اتساع رقعة التمرد الداخلي والرفض المتزايد لسياسات القيادة الحالية للمليشيا. ووفقاً لتقارير ميدانية، فإن المجموعة المنشقة وصلت إلى الخرطوم بكامل تجهيزاتها العسكرية واللوجستية، مما يمثل ضربة معنوية وعسكرية قوية لمليشيا الدعم السريع. ولا يعتبر هذا الانشقاق حدثاً معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة متواصلة من الانشقاقات التي ضربت صفوف المليشيا مؤخراً.
ومن أبرز هذه المواقف، انشقاق القيادي ضيف الله آدم في محور النيل الأزرق بجنوب السودان، والذي اعتبر أول انشقاق ميداني مؤثر في هذا المحور. وقد وجه آدم، الذي كان يشغل منصب قائد ثاني المجموعة الرابعة، اعتذاراً علنياً للشعب السوداني عن الانتهاكات الواسعة التي ارتكبتها قواته، داعياً بقية المقاتلين لتحكيم لغة العقل والعودة إلى حضن الجيش الوطني، مبرراً خطوته بتفشي العنصرية وغياب القضية والهدف الحقيقي من الحرب.
كما انضم إلى قائمة المنشقين قيادات بارزة أخرى مثل فارس النور إبراهيم، وبشارة الهويرة مسؤول العمليات العسكرية بمحور بارا في شمال كردفان، والنور آدم المعروف بـ”النور القبة” في شمال دارفور، بالإضافة إلى القائد الميداني البارز أبو عاقلة كيكل في ولاية الجزيرة، وعلي رزق المعروف بـ”السافانا”، مما يوضح تآكل الهيكل القيادي للمليشيا وتفكك تحالفاتها القبلية والميدانية.
الجذور التاريخية وسياق الصراع المسلح في السودان
لفهم أبعاد هذا الانشقاق، يجب العودة إلى جذور الصراع الذي اندلع في منتصف أبريل من العام الماضي بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”. وقد نشأت قوات الدعم السريع في الأصل من رحم ميليشيات الجنجويد التي شاركت في نزاع دارفور في أوائل الألفية الثانية، قبل أن يتم تقنين وضعها وتوسيع نفوذها الاقتصادي والعسكري.
ومع تصاعد الخلافات حول خطط دمج هذه القوات ضمن الجيش الوطني الموحد وتحديد هيكل القيادة والسيطرة، انفجر الوضع عسكرياً في العاصمة الخرطوم وسرعان ما امتد إلى ولايات أخرى، مخلفاً كارثة إنسانية غير مسبوقة وتدميراً هائلاً للبنية التحتية في البلاد.
التأثيرات الاستراتيجية والإنسانية المتوقعة على الساحتين المحلية والدولية
تحمل موجة الانشقاقات الحالية أبعاداً وتأثيرات بالغة الأهمية على مستويات متعددة:
- على المستوى المحلي: تسهم هذه الانشقاقات في إضعاف القدرة القتالية للدعم السريع وتراجع نفوذها الميداني، مقابل تعزيز الروح المعنوية للجيش السوداني وتأكيد التفافه الشعبي. كما تكشف عن تصدع الحواضن الاجتماعية والقبلية التي كانت تعتمد عليها المليشيا في عمليات التجنيد.
- على المستوى الإقليمي والدولي: تضعف هذه التطورات من الموقف التفاوضي لقوات الدعم السريع في أي مبادرات سلام مستقبلية، وتؤكد للمجتمع الدولي عدم تماسك هذه القوات ككيان عسكري موحد يمكن المراهنة عليه في مستقبل السودان السياسي.
وفي سياق متصل، تستمر المعاناة الإنسانية المتفاقمة جراء هذا الصراع المستمر، حيث تشير إحصاءات وكالة فرانس برس إلى سقوط نحو 200 ألف قتيل، وتشريد الملايين من منازلهم بين نازحين داخلياً ولاجئين في دول الجوار، وسط تحذيرات أممية ودولية من تفشي المجاعة الحادة في مناطق واسعة بدارفور وكردفان نتيجة لتعطيل المسارات الإنسانية واستمرار العمليات العسكرية.


