spot_img

ذات صلة

الاقتصاد المصري: نمو التحويلات والسياحة يواجه العجز

أعلن البنك المركزي تحسناً ملحوظاً في أداء معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي خلال النصف الأول من السنة المالية 2025 / 2026 (الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2025)، وهي الفترة التي سبقت تصاعد التوترات الإقليمية. وأوضح البنك في بيانه أن هذا التحسن انعكس بشكل مباشر في مؤشرات إيجابية بميزان المدفوعات، حيث تراجع عجز الحساب الجاري بنسبة 13.6% ليصل إلى نحو 9.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.9 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي السابق.

الجذور التاريخية للإصلاح وتأثيرها على الاقتصاد المصري

لم يأتِ هذا التحسن في مؤشرات الاقتصاد المصري من فراغ، بل يُعد ثمرة لسلسلة من برامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي التي تبنتها الدولة المصرية على مدار السنوات الماضية. تاريخياً، عانت مصر من فجوات تمويلية استدعت اتخاذ قرارات حاسمة مثل تحرير سعر الصرف وتعزيز مناخ الاستثمار لجذب العملة الصعبة. هذه الخطوات الاستباقية جعلت الهيكل المالي أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الخارجية، مما مهد الطريق لتحقيق التوازن الحالي بين الإيرادات والمصروفات الدولارية، وعزز من قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية رغم التحديات العالمية المتلاحقة.

طفرة قياسية في تحويلات المغتربين وإيرادات السياحة

قادت تحويلات العاملين بالخارج وقطاع السياحة قاطرة التحسن، مدفوعة بارتفاع صافي التحويلات الجارية بدون مقابل بنسبة 28.4% لتسجل نحو 22 مليار دولار. وجاء ذلك كنتيجة مباشرة لزيادة ثقة المصريين العاملين بالخارج في القطاع المصرفي والقنوات الرسمية، إذ بلغت تحويلاتهم 22.1 مليار دولار مقابل 17.1 مليار دولار قبل عام. كما ارتفع فائض ميزان الخدمات بنسبة 20.6% ليبلغ نحو 8.9 مليار دولار، بدعم قوي من نمو الإيرادات السياحية التي سجلت ارتفاعاً بنسبة 17.3% لتصل إلى 10.2 مليار دولار. وفي سياق متصل، زادت إيرادات قناة السويس بنسبة 19% لتبلغ 2.2 مليار دولار، مدفوعة بزيادة أعداد السفن والحمولات العابرة.

الأبعاد الإقليمية والدولية لنمو الاستثمارات الأجنبية

يحمل هذا الأداء المالي دلالات هامة على المستويين الإقليمي والدولي، حيث يعكس استعادة ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية في السوق المحلي. على صعيد المعاملات الرأسمالية والمالية، سجلت مصر صافي تدفق نقدي للداخل بلغ 6.5 مليار دولار. وارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 9.3 مليار دولار، مقارنة بـ 6 مليارات دولار في الفترة المقارنة. هذا النمو مدعوم بتدفقات كبيرة للقطاعات غير البترولية، وتأسيس الشركات، وزيادة الرساميل، بالإضافة إلى إبرام صفقات استثمارية كبرى بارزة مثل مشروع “علم الروم”. كما سجلت الاستثمارات في محفظة الأوراق المالية صافي تدفق للداخل بلغ 5 مليارات دولار، مقابل خروج صافٍ في العام السابق، مما يؤكد جاذبية الأصول المصرية إقليمياً ودولياً.

تحديات العجز التجاري المستمرة

رغم الأداء الإيجابي لقطاعات حيوية، استمر الضغط على الحساب الجاري نتيجة ارتفاع عجز الميزان التجاري بشقيه البترولي وغير البترولي. فقد ارتفع عجز الميزان التجاري البترولي إلى 8.9 مليار دولار، متأثراً بزيادة الواردات من الغاز الطبيعي والبترول الخام وتراجع الصادرات البترولية. كما اتسع عجز الميزان التجاري غير البترولي ليصل إلى 22.8 مليار دولار، بسبب ارتفاع الواردات السلعية الأساسية مثل السيارات ومكوناتها، الذرة، الهواتف، وفول الصويا، وذلك على الرغم من الزيادة الملحوظة في الصادرات من الذهب، السلع الغذائية، والملابس الجاهزة. إلى جانب ذلك، ارتفع عجز ميزان دخل الاستثمار إلى 8.6 مليار دولار نتيجة زيادة مدفوعات العوائد على الاستثمارات.

تراجع الاعتماد على الديون وتحسن السيولة

في مؤشر إيجابي آخر، أظهرت البيانات زيادة في الأصول الأجنبية للبنوك المصرية بالخارج بنحو 9.7 مليار دولار، وهو ما يعكس تحسناً كبيراً في مستويات السيولة الخارجية. كما تراجعت وتيرة الاعتماد على الاقتراض الخارجي، إذ سجلت القروض متوسطة وطويلة الأجل صافي سداد، مع انخفاض إجمالي القروض المستخدمة مقارنة بالفترة السابقة. ورغم كل هذه التطورات الإيجابية والتدفقات النقدية، سجل ميزان المدفوعات عجزاً كلياً محدوداً بلغ نحو 2.1 مليار دولار خلال الفترة، مقارنة بعجز أقل بلغ نحو 502.6 مليون دولار في نفس الفترة من العام المالي السابق.

spot_imgspot_img