كشف المرصد الأوروبي لمحاربة التطرف عن تصاعد التحذيرات الأمنية في عدة دول غربية بشأن أنشطة تنظيم الإخوان، حيث تشهد القارة العجوز حالياً تحركات أوروبية ضد الإخوان تهدف إلى تقويض استراتيجيتهم المعتمدة على “التسلل البطيء والتأثير التدريجي” داخل المجتمعات والمؤسسات المحلية. وتسعى هذه التحركات إلى حماية البنية السياسية والاجتماعية للدول المستضيفة من محاولات التغلغل طويل المدى.
الجذور التاريخية للتواجد الإخواني في القارة العجوز
يعود حضور جماعة الإخوان في أوروبا إلى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما استقبلت دول أوروبية عديدة قيادات هاربة من الشرق الأوسط. وعلى مر العقود، نجحت الجماعة في تأسيس شبكة معقدة من الجمعيات الخيرية، والمراكز الثقافية، والمؤسسات التعليمية التي تعمل تحت غطاء العمل الدعوي والاجتماعي. ومع تزايد التقارير الاستخباراتية التي تكشف الأجندات الحقيقية لهذه الكيانات، بدأت العواصم الأوروبية تدرك أن هذا التواجد لا يهدف فقط إلى تقديم الخدمات الدينية، بل يسعى إلى خلق مجتمعات موازية تتبنى أيديولوجيات تتعارض مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.
تباين المواقف الرسمية وتصاعد التضييق في ألمانيا وفرنسا
في ألمانيا، حذر المدير العام للمكتب الاتحادي لحماية الدستور، سينان سيلين، من محاولات الجماعة المستمرة للتأثير على الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. وتشير التقديرات الرسمية لعام 2024 إلى أن عدد المنتمين للشبكات المرتبطة بالإخوان في ألمانيا بلغ نحو 12 ألف شخص. ورغم أن الجماعة تتجنب العنف المباشر وتستغل البيئة الديمقراطية لترسيخ نفوذها، إلا أن برلين تواصل مراقبتها بدقة كتهديد طويل الأمد للنظام الدستوري.
من جهة أخرى، تبنت باريس نهجاً أكثر صرامة؛ حيث صوت البرلمان الفرنسي لصالح قرار يدعو الاتحاد الأوروبي لإدراج الإخوان كمنظمة إرهابية. كما أيدت المحكمة الإدارية في نانت حظر الاجتماع السنوي لجمعية “مسلمي غرب فرنسا” المرتبطة بالجماعة. وتأتي هذه الخطوات استكمالاً لحزمة الإجراءات المالية والإدارية المشددة التي أقرها الرئيس إيمانويل ماكرون، والتي تشمل تجميد الأصول وتوسيع صلاحيات حل الجمعيات المشبوهة.
أهمية وتأثير الـ تحركات أوروبية ضد الإخوان على الساحتين الإقليمية والدولية
تحمل هذه الـ تحركات أوروبية ضد الإخوان دلالات بالغة الأهمية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، تساهم هذه الإجراءات في تحصين المجتمعات الأوروبية من الفكر المتطرف وتعزيز الاندماج الإيجابي للجاليات المسلمة بعيداً عن تسييس الدين. وإقليمياً، يمثل هذا التضييق ضربة قوية لشبكات التمويل العابرة للحدود التي تغذي أنشطة الجماعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
أما دولياً، فإن التنسيق الأوروبي المتزايد يبعث برسالة واضحة مفادها أن الغرب لم يعد بيئة آمنة للتنظيمات الأيديولوجية المتطرفة، مما قد يدفع دولاً أخرى في مناطق مختلفة من العالم إلى مراجعة قوانينها وتشديد الرقابة على الجمعيات المرتبطة بالجماعة، مما يسرع من وتيرة انحسار نفوذها العالمي.
من الحظر القانوني إلى الخنق المالي والإداري
وفقاً لتقرير المرصد الأوروبي، تتجه غالبية الحكومات في الوقت الراهن إلى تبني استراتيجية “الخنق الإداري والمالي” كبديل للحظر القانوني الشامل الذي قد يواجه تعقيدات قضائية طويلة. وتتمثل هذه الآلية في سحب صفة النفع العام عن الجمعيات التابعة للإخوان، وتشديد الرقابة على مصادر التمويل الأجنبي والأوقاف، وتجميد الحسابات المصرفية عند الضرورة. هذا التكتيك يتيح للدول الأوروبية تحجيم قدرات الجماعة اللوجستية والمالية بفعالية وسرعة، دون الدخول في معارك قانونية معقدة حول حرية التعبير والاعتقاد.


