تتجه أنظار المستثمرين والخبراء الاقتصاديين حول العالم هذا الأسبوع نحو واشنطن، حيث يترقب الجميع ببالغ الاهتمام صدور قرار الفيدرالي بشأن الفائدة الجديد. ويأتي هذا الاجتماع الحاسم في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من عدم اليقين والتقلبات المستمرة، مما يجعل التنبؤ بالخطوة المقبلة للبنك المركزي الأمريكي أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، خاصة مع تباين المؤشرات الاقتصادية الأخيرة التي تفرض ضغوطاً متزايدة على صناع السياسة النقدية.
سيناريوهات مطروحة حول قرار الفيدرالي بشأن الفائدة
وفقاً لتقارير نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال” وقناة “العربية”، فإن مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي أظهروا انقساماً واضحاً في مواقفهم خلال الاجتماعات الأخيرة. ينقسم صناع السياسة النقدية إلى جبهتين متساويتين تقريباً؛ الأولى ترى ضرورة المضي قدماً في تشديد السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، بينما تعتقد الجبهة الأخرى أن مستويات الفائدة الحالية كافية لتحقيق الاستقرار المطلوب. وما يزيد المشهد تعقيداً هو بقاء التضخم الأساسي عند مستوى 2.6%، وهو ما يزال أعلى من المستهدف الرسمي للبنك البالغ 2%. بالإضافة إلى ذلك، فإن أي قفزة جديدة في أسعار الطاقة العالمية قد تزيد من عناد التضخم وتجبر البنك على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة.
السياق التاريخي لسياسات الاحتياطي الفيدرالي
لتفهم الأهمية البالغة لهذا الاجتماع، يجب العودة إلى السياق التاريخي للسياسة النقدية الأمريكية. على مدار العقود الماضية، استخدم الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة كأداة رئيسية للتحكم في دورتي النمو والانكماش الاقتصادي. فبعد فترات طويلة من الفائدة الصفرية والتيسير الكمي التي تلت الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا، واجه العالم موجة تضخمية غير مسبوقة استدعت دورة تشديد نقدي هي الأسرع منذ ثمانينيات القرن الماضي. واليوم، يقف الفيدرالي بقيادة رئيسه الجديد كيفن وارش أمام اختبار حقيقي لموازنة كفتي الميزان: الحفاظ على نمو الوظائف وتجنب الركود من جهة، وكبح جماح الأسعار من جهة أخرى.
تداعيات القرار على الاقتصاد العالمي والأسواق الناشئة
لا تقتصر تأثيرات السياسة النقدية الأمريكية على الداخل فحسب، بل تمتد لتشكل ملامح الاقتصاد العالمي ككل. إن أي قرار يصدر عن الفيدرالي ينعكس فوراً على أسواق الصرف والبورصات العالمية، وأسعار الذهب والنفط. بالنسبة للأسواق الناشئة، فإن رفع الفائدة الأمريكية يعني زيادة تكلفة الاقتراض الخارجي وضغطاً إضافياً على عملاتها المحلية نتيجة لهروب رؤوس الأموال نحو السندات الأمريكية التي تصبح أكثر جاذبية. وعلى المستوى الإقليمي والمحلي، ترتبط العديد من العملات العربية بالدولار، مما يعني أن البنوك المركزية في المنطقة ستكون مجبرة على حذو حذو الفيدرالي للحفاظ على استقرار عملاتها، وهو ما يؤثر مباشرة على حركة الاستثمار والتمويل العقاري والتجاري محلياً.
إعادة حسابات المستثمرين وترقب اجتماع يوليو
تشير البيانات الأخيرة إلى أن الأسواق بدأت بالفعل في إعادة ترتيب أوراقها وحساباتها؛ حيث قفزت توقعات رفع الفائدة في اجتماع يومي 28 و29 يوليو الجاري إلى نحو 40%، بعد أن كانت لا تتجاوز 10% قبل أيام قليلة. ومع ذلك، يظل الغموض سيد الموقف، خاصة وأن رئيس الفيدرالي الجديد كيفن وارش، المعروف بلهجته الصارمة تجاه استقرار الأسعار، لم يقدم إشارات حاسمة حول ما إذا كان يفضل التحرك الفوري أم التريث ومراقبة البيانات القادمة. وفي نهاية المطاف، فإن قرار التثبيت قد لا ينهي الجدل الدائر، بل سيؤجله ببساطة إلى اجتماع سبتمبر المقبل، بينما سيمثل الرفع رسالة حازمة للأسواق.


