شهدت مدينة الحسكة، شمال شرق سوريا، توترات متصاعدة خلال الأيام الماضية، إثر قيام مجموعة من الشباب بإزالة لافتة جديدة من محيط القصر العدلي. جاء هذا التصرف احتجاجاً على عدم تضمين اللغة الكردية إلى جانب اللغة العربية على اللافتة، مما أثار ردود فعل واسعة. في هذا السياق، أكد محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، أن ما يقوم به بعض الشباب من أعمال تخريب في محيط القصر العدلي مرفوض تماماً، محذراً بشدة من نشر الفوضى وتأجيج الأوضاع في المحافظة. دعوته هذه تأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحديات أمنية واجتماعية معقدة.
خلفية التوترات: اللغة والهوية في الحسكة
تعتبر محافظة الحسكة فسيفساء غنية من المكونات العرقية والدينية، حيث تتعايش فيها غالبية عربية وكردية، بالإضافة إلى مكونات سريانية آشورية وأرمنية وغيرها. لطالما كانت قضايا الهوية واللغة محورية في هذه المنطقة، خاصة بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011. فقد أدت سنوات الصراع إلى تغييرات ديموغرافية وسياسية عميقة، وبروز قوى محلية مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تدير مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا تحت مسمى “الإدارة الذاتية”. هذه الإدارة تبنت سياسات تعزز اللغات والثقافات المحلية، بما في ذلك اللغة الكردية، مما أثار أحياناً حساسيات مع الحكومة المركزية التي تعتبر اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة.
اللافتة التي أزيلت من محيط القصر العدلي كانت قد شهدت عدة تغييرات؛ فبعد أن رُفعت بلافتة تحمل اللغتين العربية والإنجليزية، تم استبدالها بأخرى باللغة العربية فقط، قبل أن يتم إنزالها مجدداً. هذا التسلسل يعكس عمق الخلاف حول التمثيل اللغوي، والذي يتجاوز مجرد لافتة ليلامس جوهر الهوية والاعتراف الثقافي في منطقة متعددة الأعراق. وقد أوضح نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، أن اللغة الكردية لغة جميلة ووطنية ويسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة بالمناطق ذات الكثافة الكردية ضمن المناهج الاختيارية أو الأنشطة الثقافية والتعليمية، مؤكداً في الوقت ذاته أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للدولة السورية.
دعوة للمسؤولية ونبذ التخريب: أهمية الاستقرار في الحسكة
شدد محافظ الحسكة على أن المؤسسات العامة والممتلكات هي ملك لجميع المواطنين، وأن الاعتداء عليها لا يؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتعطيل مصالح الناس وإضعاف النسيج المجتمعي. هذه التصرفات، بحسب المحافظ، لا تعكس قيم أبناء المنطقة المعروفين بوعيهم ومسؤوليتهم. دعوته للجميع في هذا الظرف الحساس إلى التحلي بالمسؤولية والابتعاد عن كل ما من شأنه تأجيج الأوضاع أو نشر الفوضى، تأتي في محاولة للحفاظ على ما تبقى من استقرار في منطقة تعاني أصلاً من ويلات الحرب والصراعات المتعددة.
إن أهمية هذه الدعوة تتجاوز البعد المحلي لتلامس الأبعاد الإقليمية والدولية. فالحسكة، بحكم موقعها الجغرافي الاستراتيجي على الحدود مع تركيا والعراق، وباعتبارها منطقة غنية بالنفط والغاز، تمثل نقطة ارتكاز في الصراع السوري الأوسع. أي تصعيد داخلي فيها يمكن أن يفتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة أو يؤدي إلى زعزعة استقرار أوسع في شمال شرق سوريا، مما يعقد جهود الحل السياسي الشامل ويزيد من معاناة السكان.
مساعي الحلول والتحديات المستقبلية
تذكرنا هذه الأحداث بالتحديات المستمرة في تطبيق الاتفاقيات الهادفة إلى استعادة سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها. ففي مارس 2025، كان هناك اتفاق بين الرئيس السوري بشار الأسد وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، نص على دمج القوات الكردية في الجيش السوري وتسليم جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا، بما فيها المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز، إلى الدولة. كما تضمن الاتفاق الاعتراف بالمجتمع الكردي كمكون أصيل وضمان حقوقه الدستورية والاعتراف بلغته.
إلا أن هذا الاتفاق لم يطبق على أرض الواقع، مما فجر توترات ومعارك بين الجيش السوري والقوات الكردية. وفي يناير 2026، تم التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار، يقضي بتسليم “قسد” مراكزها في شمال شرق البلاد إلى القوات السورية، لينهي بذلك ما كان يسمى “الإدارة الذاتية” وتبسط الدولة سيادتها على مناطق شمال وشرق سوريا. هذه المساعي، رغم تعثرها، تؤكد على ضرورة التوصل إلى حلول سياسية تضمن حقوق جميع المكونات وتحافظ على وحدة الأراضي السورية واستقرارها. إن دعوة محافظ الحسكة يحذر من الفوضى هي صرخة للحفاظ على السلم الأهلي وتجنب الانزلاق نحو مزيد من التصعيد في هذه المرحلة الحرجة.


