في ظل حالة من الجمود تخيم على المفاوضات الأمريكية الإيرانية، يتصاعد التوتر في أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث تواصل طهران تمسكها بورقة السيطرة على مضيق هرمز، مقابل إصرار واشنطن على استمرار الحصار البحري. وفي خضم هذا المشهد المعقد، برزت باكستان كلاعب دبلوماسي يسعى لكسر الجمود، عبر زيارة مفاجئة لوزير داخليتها إلى طهران، في محاولة لنزع فتيل أزمة قد تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
شريان النفط العالمي تحت الضغط
أعلنت إيران عن تصعيد جديد في استراتيجيتها، حيث كشف إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، أن طهران أعدت آلية جديدة لتنظيم حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. ووفقاً لتصريحاته، سيتم تحديد مسار ملاحي محدد للسفن، مع فرض رسوم على الخدمات المقدمة. وأكد عزيزي أن هذه الآلية، التي سيتم الكشف عن تفاصيلها قريباً، ستقتصر على السفن التجارية والجهات المتعاونة مع إيران، في خطوة تهدف إلى تعزيز سيادتها الوطنية وضمان أمن التجارة الدولية من منظورها. ومنذ أواخر فبراير الماضي، شدد الحرس الثوري الإيراني قبضته بشكل ملحوظ على المضيق، فارضاً قيوداً صارمة على حركة الملاحة، مما أدى إلى انخفاض حاد في عدد السفن العابرة، واقتصارها غالباً على تلك المرتبطة بإيران أو حلفائها.
جهود دبلوماسية في كواليس الأزمة
في محاولة لتخفيف حدة التوتر، وصل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران لإجراء محادثات مع كبار المسؤولين الإيرانيين. وتأتي هذه الزيارة، التي لم يُعلن عنها مسبقاً، في سياق جهود باكستانية حثيثة للوساطة بين واشنطن وطهران. وسبق هذه الزيارة وصول قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، إلى العاصمة الإيرانية في منتصف أبريل، مما يؤكد على ثقل الدور الذي تحاول إسلام آباد لعبه. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا” عن مصادر دبلوماسية أن زيارة نقوي تهدف إلى بحث سبل حلحلة الأزمة الراهنة، في ظل تقارير إعلامية، منها ما ذكرته صحيفة “نيويورك تايمز”، عن مساعي دولية للتوصل إلى تسوية تعيد فتح المضيق بشكل كامل.
أبعاد تاريخية وتداعيات اقتصادية عالمية
لا يمكن فهم خطورة الوضع الحالي دون استيعاب الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لمضيق هرمز. يُعد هذا الممر المائي الضيق فاصلاً بين الخليج العربي وخليج عمان، وهو بمثابة عنق الزجاجة الذي يمر عبره ما يقارب خُمس استهلاك النفط العالمي. أي تعطيل لحركة الملاحة فيه لا يهدد استقرار منطقة الخليج فحسب، بل يهدد بحدوث صدمة عنيفة في أسواق الطاقة العالمية، قد تؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار النفط ودخول الاقتصاد العالمي في دوامة من الركود التضخمي. وتاريخياً، كان المضيق مسرحاً للعديد من التوترات، أبرزها “حرب الناقلات” خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات. إن التلويح الإيراني المستمر بإمكانية إغلاق المضيق يمثل ورقة ضغط قوية في مواجهة العقوبات الأمريكية، ولكنه في الوقت ذاته يضع العالم على حافة أزمة اقتصادية وأمنية كبرى، وهو ما يفسر التحركات الدبلوماسية المكثفة لاحتواء الموقف قبل فوات الأوان.


