spot_img

ذات صلة

أزمة تشكيل الحكومة العراقية: مأزق دستوري يلوح في الأفق

مع اقتراب نهاية المهلة الدستورية لترشيح رئيس الوزراء، يجد العراق نفسه على شفا أزمة تشكيل الحكومة العراقية ومأزق دستوري عميق، نتيجة للانقسامات السياسية الحادة التي تعصف بالساحة العراقية. فبعد ساعات من المداولات المكثفة، وصفت قوى «الإطار التنسيقي» اجتماعها اليوم بأنه «مصيري» لحسم ملف مرشح رئاسة الوزراء، في سباق مع الزمن للالتزام بالمهل الدستورية. هذه التطورات تأتي بعد سلسلة من الإخفاقات في التوصل إلى توافق خلال الـ 48 ساعة الماضية، مما يعكس حجم التحديات التي تواجه القوى السياسية في البلاد.

خلفية الأزمة: إرث الانتخابات والجمود السياسي

تعود جذور هذه الأزمة إلى الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر 2021، والتي أسفرت عن مشهد سياسي معقد وغير مسبوق. فبعد انسحاب التيار الصدري من العملية السياسية في عام 2022، والذي كان يمتلك الكتلة الأكبر في البرلمان آنذاك، تشكل «الإطار التنسيقي» ليصبح الكتلة الأكبر. ومع ذلك، لم يتمكن الإطار من التوافق بسهولة على مرشح لرئاسة الوزراء، مما أدى إلى فراغ سياسي استمر قرابة العام، وشلّ مؤسسات الدولة وعطّل مسيرة الإصلاح والتنمية. هذا الجمود ليس جديدًا على المشهد العراقي ما بعد 2003، حيث غالبًا ما تتسم عملية تشكيل الحكومات بالصعوبة بسبب نظام المحاصصة الطائفية والسياسية الذي يفرض توافقات معقدة بين الكتل المختلفة.

البحث عن “الخيار الثالث” وتحديات التوافق

في ظل غياب التوافق بين الكتل المنضوية في التحالف الحاكم، وخاصة بين رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، تصاعد البحث عن «خيار ثالث» يحظى بقبول أوسع. فشلت المحاولات السابقة لترشيح أسماء مثل باسم البدري في الحصول على الإجماع المطلوب، حيث تتطلب الآليات الداخلية للتحالف حصول المرشح الرسمي على أغلبية الثلثين (8 أصوات من أصل 12). هذا الشرط الصعب هو ما حال دون ترشيح السوداني والمالكي، مما أبقى التحالف الأكبر في البرلمان أمام حالة من الانسداد السياسي الداخلي.

المأزق الدستوري وتداعياته المحتملة

مع اقتراب نهاية مهلة الـ 15 يومًا الممنوحة لرئيس الجمهورية لتكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل مجلس الوزراء، يبرز تساؤل قانوني ملح حول الخطوة التالية في حال استمرار الفشل في الاتفاق على مرشح. الدستور العراقي، في مادته 76 (أ)، ينص على أن «يكلف رئيس الجمهورية، خلال 15 يومًا من تاريخ انتخابه، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل مجلس الوزراء». إلا أن الدستور لم يحسم هذه المسألة بشكل واضح في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مما قد يدفع رئيس الجمهورية إلى اللجوء للمحكمة الاتحادية العليا لتفسير المواد الدستورية، أو إعادة الكرة إلى مجلس النواب لإيجاد مخرج للأزمة. إن عدم التوصل إلى اتفاق على شخصية لتولي المنصب يدخل البلاد في حالة فراغ سياسي، كما حدث عقب انتخابات أكتوبر 2021، والتي استمرت نحو عام كامل قبل أن يتم منح الثقة لحكومة السوداني في 27 أكتوبر 2022. هذا الفراغ يهدد بتقويض الاستقرار الهش في البلاد، ويعيق جهود معالجة التحديات الاقتصادية والأمنية الملحة، ويفتح الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية قد تزيد من تعقيد المشهد.

تأثير أزمة تشكيل الحكومة العراقية على المشهد العراقي والإقليمي

إن استمرار أزمة تشكيل الحكومة العراقية له تداعيات خطيرة تتجاوز حدود العملية السياسية الداخلية. على الصعيد المحلي، يؤدي الجمود إلى شلل في اتخاذ القرارات، وتأخير في تنفيذ المشاريع الخدمية الضرورية للمواطنين، وتفاقم المشاكل الاقتصادية. كما يمكن أن يؤثر على الوضع الأمني، حيث تستغل الجماعات المسلحة حالة عدم الاستقرار لتعزيز نفوذها. إقليميًا ودوليًا، ينظر المجتمع الدولي بقلق إلى هذه التطورات، فالعراق يمثل حجر زاوية في استقرار المنطقة، وأي اهتزاز في استقراره قد تكون له ارتدادات سلبية على الجوار الإقليمي. الشركاء الدوليون، الذين يدعمون جهود إعادة الإعمار والتنمية في العراق، يفضلون وجود حكومة قوية ومستقرة قادرة على تنفيذ الإصلاحات ومكافحة الفساد. لذا، فإن الساعات القادمة ستكون حاسمة أمام «الإطار التنسيقي» لاجتياز هذا الاختبار المصيري والتوصل إلى تسوية تحظى بالقبول، لتجنب انزلاق البلاد إلى فراغ دستوري جديد.

spot_imgspot_img