أعلن مجلس القضاء الأعلى في العراق عن تحديثات قانونية حاسمة تتعلق بملف الفساد الأكبر في تاريخ البلاد الحديث، والمعروف إعلامياً باسم سرقة القرن في العراق. وأوضح القضاء في بيان رسمي تفاصيل الإجراءات المتخذة بحق المتهمين الرئيسيين، وعلى رأسهم رجل الأعمال نور زهير وعدنان الجميلي، مؤكداً أن أي تسوية قانونية أو شمول بقانون العفو العام يرتبط ارتباطاً وثيقاً وبشكل شرطي بإعادة كامل الأموال العامة المنهوبة إلى خزينة الدولة.
تفاصيل مثيرة عن المتورطين في سرقة القرن في العراق
تعود جذور هذه القضية المثيرة للجدل إلى الكشف عن تسهيل عمليات سحب ضخمة لأمانات ضريبية مودعة لدى الهيئة العامة للضرائب بطرق غير قانونية ومخالفة للتشريعات المالية. وقد تورطت في هذه العمليات عدة شركات تعقيب مالي، من أبرزها شركتا “القانت” و”المبدعون” المملوكتان للمتهم الرئيسي نور زهير.
وكان القضاء العراقي قد وافق في وقت سابق، بالتنسيق بين رئيس مجلس القضاء ورئيس الوزراء السابق وبموافقة قاضي التحقيق المختص، على إطلاق سراح نور زهير بكفالة مالية مشروطة بجدولة إعادة الأموال المستولى عليها. وبالفعل، تم استرداد نحو 365 مليار دينار عراقي من أصل مبلغ إجمالي ضخم يبلغ 1.618 تريليون دينار بذمة الشركتين. إلا أن المتهم غادر الأراضي العراقية وتوقف عن تسديد الدفعات المتبقية، مما دفع المحكمة لإصدار حكم غيابي بحقه بالسجن لمدة عشر سنوات، والبدء في ملاحقته دولياً عبر الشرطة العربية والدولية (الإنتربول).
السياق التاريخي لنهب المال العام وأبعاد القضية
لتفهم حجم الأزمة، يجب النظر إلى السياق العام الذي ولدت فيه هذه القضية؛ حيث عانى العراق لسنوات طويلة من تحديات هيكلية في نظامه المالي والمصرفي، مما أتاح لشبكات الفساد استغلال الثغرات القانونية والإدارية. وتعتبر هذه القضية نقطة تحول تاريخية في مسار مكافحة الفساد في العراق، إذ لم يسبق أن تم الكشف عن عملية اختلاس بهذا الحجم المنظم الذي تداخلت فيه أطراف سياسية وحكومية رفيعة المستوى مع قطاعات تجارية خاصة.
وفي هذا السياق، كشف البيان القضائي أن هناك 12 موظفاً في الهيئة العامة للضرائب يقضون حالياً عقوبات بالسجن لتسهيلهم عمليات السحب غير القانونية، مع إمكانية شمولهم بالعفو في حال تسديد التعويضات المترتبة عليهم. كما طالت الأحكام الغيابية مدير مكتب رئيس الوزراء السابق وعدداً من المستشارين والشخصيات التي ساهمت في تمرير هذه الصفقات المشبوهة، مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، في حين تم إغلاق التحقيق مع رئيس الوزراء السابق لعدم كفاية الأدلة القانونية ضده.
التأثيرات المحلية والإقليمية لقرارات القضاء العراقي
تحمل هذه الإجراءات القضائية الصارمة دلالات وتأثيرات عميقة على عدة مستويات. محلياً، تساهم هذه الخطوات في استعادة ثقة الشارع العراقي في المنظومة القضائية وقدرتها على ملاحقة كبار المتورطين وعدم اقتصار المحاسبة على صغار الموظفين. كما تعزز من جهود الحكومة الحالية في فرض سيادة القانون وحماية المال العام كأولوية قصوى للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن نجاح العراق في ملاحقة المتهمين الفارين واسترداد الأموال المنهوبة يبعث برسالة قوية للمجتمع الدولي والمنظمات المالية العالمية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بأن البيئة الاستثمارية في العراق تتجه نحو مزيد من الشفافية والنزاهة. هذا التأثير الإيجابي من شأنه تحسين تصنيف العراق في مؤشرات مدركات الفساد العالمية، مما يجذب الاستثمارات الأجنبية الحيوية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
مصير قانون العفو وقضية مصافي الشمال
فيما يخص طلب شمول نور زهير بقانون العفو المعدل، أكد مجلس القضاء أن الطلب لا يزال معلقاً بانتظار الموقف الرسمي لوزارة المالية، باعتبارها الجهة الحكومية المتضررة مباشرة من الجريمة، لتحديد آلية واضحة ومضمونة لاسترداد المبالغ المتبقية.
وفي مسار موازٍ، تطرق البيان إلى قضية شركة مصافي الشمال والمتهم فيها عدنان الجميلي وعدد من أعضاء مجلس النواب. وأوضح القضاء أن إمكانية استفادة هؤلاء المتهمين من قانون العفو ترتبط بوقوع الجرائم قبل نفاذ القانون وإعادة الأموال بالكامل، بينما ستخضع أي جرائم ارتكبت بعد نفاذ القانون لإجراءات عقابية صارمة ومختلفة، بما يضمن الحفاظ على أصول الدولة وثرواتها الوطنية وفق الأطر الدستورية المعمول بها.


