يقترب العراق من حافة الفراغ السياسي في العراق مع قرب انتهاء المهلة الدستورية لاختيار رئيس الوزراء الجديد، بعد أشهر من الجمود السياسي الذي أعقب الانتخابات البرلمانية. فشلت قوى «الإطار التنسيقي»، وهي الكتلة الأكبر عددًا من المقاعد في البرلمان، للمرة الثالثة على التوالي في حسم اختيار مرشحها لهذا المنصب الحيوي. هذه التأجيلات المتكررة، التي أوردتها وكالة الأنباء العراقية، تشير إلى عمق الانقسام داخل المشهد السياسي العراقي، وتثير مخاوف جدية بشأن استقرار البلاد ومستقبلها.
جذور الأزمة: السياق التاريخي والسياسي في العراق
منذ عام 2003، تبنى العراق نظامًا برلمانيًا يعتمد على التوافق وتقاسم السلطة بين المكونات الرئيسية، مما أدى في كثير من الأحيان إلى عمليات تشكيل حكومة معقدة ومطولة. لم يكن هذا الجمود السياسي ظاهرة جديدة؛ فقد شهدت البلاد فترات طويلة من المفاوضات الشاقة بعد انتخابات سابقة، مما يعكس تحديات بناء توافق وطني حقيقي في ظل نظام المحاصصة الطائفية. الانتخابات البرلمانية التي جرت في أكتوبر 2021، على سبيل المثال، لم تسفر عن أغلبية واضحة، مما فاقم من تعقيدات المشهد السياسي ودفع البلاد نحو أطول فترة فراغ حكومي في تاريخها الحديث. هذه الخلفية التاريخية تضع الأزمة الحالية في سياق أوسع، حيث تتصارع القوى السياسية على النفوذ والسيطرة، غالبًا على حساب الاستقرار والخدمات العامة.
تنص المادة 76 من الدستور العراقي على أن رئيس الجمهورية يكلف، خلال 15 يومًا من تاريخ انتخابه، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددًا بتشكيل الحكومة. هذا النص الدستوري يضع ضغطًا زمنيًا على الكتل السياسية للتوصل إلى توافق، لكن الواقع السياسي غالبًا ما يتجاوز هذه الأطر الزمنية، مما يدفع البلاد إلى أزمات متتالية. التنافس الشديد داخل «الإطار التنسيقي» نفسه، والذي يضم قوى سياسية شيعية رئيسية، أدى إلى تكرار تأجيل اجتماع حسم مرشح رئاسة الوزراء، مما يبرز صعوبة التوافق حتى داخل الكتلة الواحدة.
تحديات اختيار رئيس الوزراء وتداعيات الفراغ السياسي
تتجاوز أزمة اختيار رئيس الوزراء مجرد خلاف على الأسماء لتتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة القوى السياسية على إنتاج تسوية متوازنة. ففي السابق، واجهت عملية اختيار رئيس الوزراء تدخلات خارجية، كما حدث عندما أشار الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب إلى “الفيتو” على تعيين نوري المالكي في المنصب، مهددًا بوقف الدعم الأمريكي للعراق. هذا التدخل يسلط الضوء على الأبعاد الإقليمية والدولية المعقدة التي تحيط بالعملية السياسية العراقية، حيث تتأثر القرارات الداخلية بشكل كبير بالضغوط الخارجية والمصالح المتضاربة.
تداولت عدة أسماء لمرشحين محتملين لرئاسة الوزراء خلال هذه الفترة العصيبة، من بينهم نوري المالكي، ومحمد شياع السوداني، وباسم البدري، وراسم العوادي، ومحمد الدراجي، وعدنان الزرفي، وحيدر العبادي، بالإضافة إلى شخصيتين أخريين لم يُعلن عن اسميهما. هذا التنوع في الأسماء يعكس حجم التنافس وصعوبة الوصول إلى مرشح يحظى بقبول واسع داخل الإطار التنسيقي وخارجه، ويستطيع أن يجمع بين التوافق الداخلي وتلبية متطلبات المرحلة الإقليمية والدولية الراهنة.
التداعيات المحتملة: على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي
إن استمرار الفراغ السياسي في العراق يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات كافة. محليًا، يؤدي غياب حكومة فاعلة إلى شلل في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وتأخير في تنفيذ المشاريع التنموية، وتفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. هذا الوضع يغذي حالة الإحباط الشعبي وقد يدفع إلى موجات جديدة من الاحتجاجات، مما يهدد الاستقرار الداخلي للبلاد. كما أن عدم وجود حكومة قوية وشرعية يعيق جهود مكافحة الفساد والإصلاحات الضرورية التي يطالب بها الشارع العراقي.
إقليميًا، يمثل العراق نقطة ارتكاز حيوية في منطقة مضطربة. أي فراغ سياسي أو عدم استقرار فيه يمكن أن يمتد تأثيره إلى دول الجوار، مما يزيد من التوترات الإقليمية ويعقد جهود بناء السلام. تتدخل قوى إقليمية مختلفة في الشأن العراقي، وتسعى لتعزيز نفوذها، مما يجعل عملية تشكيل الحكومة أكثر تعقيدًا ويضيف طبقة أخرى من التحديات. دول مثل إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية تراقب عن كثب التطورات في العراق، وتأثيراتها على مصالحها الأمنية والاقتصادية.
وعلى الصعيد الدولي، يؤثر الجمود السياسي على ثقة المجتمع الدولي في قدرة العراق على إدارة شؤونه. قد يؤدي ذلك إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية، وتأثر برامج الدعم الدولي، وتزايد المخاوف بشأن قدرة العراق على الوفاء بالتزاماته الدولية. إن استقرار العراق ضروري للأمن العالمي، وأي تدهور في الوضع السياسي قد يستدعي تدخلات دولية أو يفتح الباب أمام عودة التحديات الأمنية التي طالما عانى منها البلد.
في الختام، يواجه العراق لحظة حرجة تتطلب من قواه السياسية تجاوز الخلافات والعمل بروح المسؤولية الوطنية. إن حسم اختيار رئيس الوزراء وتشكيل حكومة قوية وفاعلة أصبح ضرورة ملحة لتجنب الانزلاق نحو مزيد من عدم الاستقرار، ولتلبية تطلعات الشعب العراقي في بناء دولة مستقرة ومزدهرة.


