spot_img

ذات صلة

تشكيل الحكومة العراقية الجديدة: عقد داخلية وخارجية تؤخر الولادة

تحديات جمة تعرقل تشكيل الحكومة العراقية الجديدة: صراع النفوذ والفصائل المسلحة

تواجه عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة محمد شياع السوداني ثلاث عقد رئيسية معقدة، اثنتان منها ذات طابع خارجي تتصلان بتأثيرات واشنطن وطهران، في حين تكمن العقدة الثالثة في صميم المشهد السياسي الداخلي، مرتبطة بصراع الحصص والنفوذ بين الكتل السياسية، إضافة إلى التحدي الأبرز المتمثل في ملف الفصائل المسلحة. هذه العقبات مجتمعة تهدد بإطالة أمد الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، وتضع استقرار العراق على المحك.

المشهد السياسي العراقي: إرث من التعقيدات

لطالما كان المشهد السياسي العراقي بعد عام 2003 محفوفًا بالتعقيدات، حيث يقوم النظام السياسي على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية، مما يؤدي غالبًا إلى تأخيرات طويلة في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة أو أي حكومة لاحقة. هذه التأخيرات ليست بجديدة على العراق، فقد شهدت البلاد أزمات مماثلة في مراحل سابقة، كان أبرزها الجمود السياسي الذي أعقب انتخابات 2021 واستمر لأكثر من عام. إن تداخل المصالح الداخلية مع الأجندات الإقليمية والدولية يضيف طبقة أخرى من التعقيد، حيث تلعب القوى الإقليمية، وخاصة إيران، والقوى الدولية، مثل الولايات المتحدة، دورًا محوريًا في توجيه مسار العملية السياسية وتحديد موازين القوى.

العقد السياسية الرئيسية: صراع الحقائب وملف السلاح

النفوذ الخارجي وتأثيره على القرار العراقي

تُعد العقدتان الخارجيتان المرتبطتان بواشنطن وطهران من العوامل الثابتة في معادلة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. فالعراق، بحكم موقعه الجيوسياسي وموارده النفطية، يمثل ساحة لتنافس النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية. تسعى كل من الولايات المتحدة وإيران إلى ضمان وجود حكومة في بغداد تخدم مصالحها الاستراتيجية، مما يفرض ضغوطًا كبيرة على صانعي القرار العراقيين ويجعل التوافق الداخلي أكثر صعوبة.

معضلة الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة

تُعد قضية حصر السلاح بيد الدولة من أبرز التحديات التي تواجه تشكيل الحكومة العراقية الجديدة. فقرار لجنة الإطار التنسيقي الحاكم المتعلق بحصر سلاح الفصائل يواجه رفضًا قاطعًا من بعض هذه الفصائل. يمكن تصنيف هذه الفصائل إلى أربع فئات رئيسية: الأولى هي الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي، والتي لم تشارك بشكل مباشر في الصراعات الإقليمية ولكنها تحتفظ بسلاحها الخاص وعناوينها الفصائلية، ويُطالب بدمجها الكامل بهيئة الحشد والتخلي عن هوياتها المستقلة. الفئة الثانية تضم فصائل شاركت إلى جانب إيران في صراعات إقليمية وتُطالب بتسليم سلاحها ودمج عناصرها في الحشد، لكنها ترفض تسليم أسلحتها لجهاز مكافحة الإرهاب. أما الفئة الثالثة، فهي فصائل خارج هيئة الحشد الشعبي ولم تشارك في أي صراعات، وترفض تسليم سلاحها. وأخيرًا، هناك الأجنحة المسلحة للأطراف السياسية التي لها تمثيل مهم في الحكومة، والتي يُطالب بإنهاء تواجدها المسلح خارج سلطة المؤسسة الأمنية أو الحشدية. هذا الملف الحساس يمثل نقطة خلاف جوهرية، وقد ألمح مرجع عراقي إلى أن رفض الفصائل نزع أسلحتها قد يكون السبب المباشر لانسحاب رئيس الوزراء المكلف من مهمة التشكيل.

تقاسم الحقائب الوزارية: معركة النفوذ الداخلي

بالإضافة إلى ملف السلاح، تشكل الخلافات الداخلية حول تقاسم الحقائب الوزارية عقبة كبرى. يمتلك الإطار التنسيقي نحو 12 وزارة في الحكومة المرتقبة، وقد ترتفع إلى 13 من أصل 22 وزارة، منها أربع حقائب سيادية بعد استبعاد وزارة التخطيط. تتنافس الكتل الكبرى بشدة على الحقائب الأكثر نفوذًا، خصوصًا وزارتي النفط والداخلية. فبينما يُفترض أن يحصل ائتلاف «الإعمار والتنمية» بزعامة محمد شياع السوداني وائتلاف نوري المالكي على ثلاث وزارات لكل منهما، مقابل وزارتين لكل من تيار الحكمة وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر، يرفض فريق السوداني هذه الصيغة، معتبرًا نفسه «الكتلة الأكبر» بأكثر من 50 نائبًا. كما يعترض على نوعية الوزارات المعروضة عليه، مثل النفط والكهرباء والزراعة، ويطالب بوزارة الداخلية إلى جانب حقيبة سيادية أخرى. وتدور معركة أكثر حساسية حول وزارة الداخلية، حيث يدفع جناح المالكي باتجاه ترشيح ياسر صخيل صهر المالكي للمنصب، وهو ما يرفضه معسكر السوداني، بينما يقترح آخرون أن يختار السوداني بنفسه مرشح الداخلية، أو التجديد لعبد الأمير الشمري.

انقسامات المكونات وتأثيرها على تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

لا تقتصر الخلافات على الحقائب الوزارية فحسب، بل تمتد إلى عودة شخصيات من «الحرس القديم» مثل أحمد الأسدي وفالح الفياض وطيف سامي، وهو ما تعارضه بعض القوى التي تدعو إلى عدم إعادة تدوير الوجوه التي شاركت في الحكومات السابقة. وفي البيت السني، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا بعد انقسام «المجلس السياسي الوطني» إثر ابتعاد مثنى السامرائي عن تفاهمات محمد الحلبوسي وخميس الخنجر وتقديمه قائمة منفصلة لمرشحي الوزارات. ومن المفترض أن تحصل القوى السنية على ست وزارات، أبرزها الدفاع والثقافة والتربية، مع ترجيحات بأن ينال الحلبوسي ثلاث حقائب منها. ومع ذلك، تبقى العقدة الأعمق في حصة الفصائل المسلحة داخل الحكومة الجديدة، فالجماعات القريبة من إيران تمتلك اليوم نحو 100 مقعد داخل البرلمان، مما يجعل استبعادها من السلطة أمرًا بالغ الصعوبة ويؤثر بشكل مباشر على قدرة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة على العمل بفاعلية.

تداعيات التأخير والمسار المستقبلي المحتمل

إن استمرار هذا الجمود في تشكيل الحكومة العراقية الجديدة يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محليًا، يؤدي التأخير إلى شلل في تقديم الخدمات الأساسية، ويعرقل جهود التنمية الاقتصادية، ويضعف ثقة المواطنين في العملية السياسية. كما أنه يفتح الباب أمام تفاقم التحديات الأمنية، مثل بقايا تنظيم داعش والصراعات الداخلية. إقليميًا، يمكن أن يؤثر عدم الاستقرار في العراق على التوازن الإقليمي، ويزيد من التوترات بين الدول المتنافسة على النفوذ في المنطقة. دوليًا، يعرقل هذا الوضع جهود مكافحة الإرهاب، ويؤثر على الاستثمارات الأجنبية، ويضعف دور العراق كشريك موثوق به في المجتمع الدولي.

ترجح أوساط زعيم التيار الصدري أن تواجه الحكومة القادمة مصير حكومة عادل عبد المهدي إذا لم تستجب لشروط الإصلاح، مشيرة إلى أن مقتدى الصدر منح السوداني رضا مشروطًا لمدة 90 يومًا مقابل إبعاد الفصائل المسلحة وفتح ملفات الفساد، وعلى رأسها قضية نور زهير المعروفة بـ«سرقة القرن». وتتحدث أوساط سياسية عن قائمة أمريكية تضم ست فصائل ممنوعة من المشاركة في حكومة السوداني، من بينها: كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وأنصار الله الأوفياء، مع معلومات تشير إلى أن القائمة قد تكون أوسع. إن اعتذار رئيس الوزراء المكلف عن تشكيل الحكومة، إن حدث، سيعيد العراق مجددًا إلى نقطة الصفر، ويفتح الباب أمام البحث عن مرشح بديل لرئاسة الوزراء بعد أزمة امتدت لنحو ستة أشهر، مما يدخل البلاد في فراغ دستوري قد تكون عواقبه وخيمة على مستقبل العراق واستقراره.

spot_imgspot_img