في تصعيد ميداني لافت، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي وسّع سيطرته داخل قطاع غزة لتشمل 60% من مساحته، وذلك عبر تمديد ما يُعرف بـ“الخط الأصفر”. هذه الخطوة لا تمثل فقط خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية، بل تعيد أيضاً رسم خريطة الواقع على الأرض بشكل أحادي، مما يقلص المساحة المتاحة للفلسطينيين ويفاقم من الأزمة الإنسانية القائمة.
جاء تأكيد نتنياهو خلال حفل أقيم بمناسبة الذكرى السنوية لاحتلال القدس الشرقية، حيث كشف أن المساحة التي يسيطر عليها الجيش حالياً تتجاوز بكثير نسبة الـ 53% التي نصت عليها خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025. هذا التوسع التدريجي، الذي رصدته تقارير صحفية ومنظمات حقوقية، يظهر نية إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض يصعب تغييرها مستقبلاً.
ما هو “الخط الأصفر” وكيف يعيد تشكيل غزة؟
يعتبر “الخط الأصفر” خطاً فاصلاً غير رسمي ورسمته إسرائيل عسكرياً على خرائطها العملياتية لفصل المناطق التي تسيطر عليها شرقاً عن تلك المسموح للفلسطينيين بالتواجد فيها غرباً. وبحسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، فإن هذا الخط لم يعد ثابتاً، بل يتم تحريكه باستمرار غرباً في عمق القطاع، ليقتطع في كل مرة أراضٍ جديدة من المناطق السكنية والزراعية المحدودة أصلاً. وقد كشفت الصحيفة في تقرير ميداني أن عمليات الزحف هذه مستمرة منذ أشهر، وتتم عبر إزاحة المكعبات الإسمنتية الصفراء التي تحدد الخط، كما حدث مؤخراً في منطقة محور نتساريم وسط القطاع.
إلى جانب ذلك، قامت إسرائيل بإنشاء منطقة عازلة جديدة أطلقت عليها اسم “الخط البرتقالي”، وهي منطقة إضافية تفرض قيوداً مشددة على الحركة وتتطلب تنسيقاً مسبقاً مع الجيش الإسرائيلي حتى من قبل المنظمات الإنسانية، مما يزيد من عزلة المناطق الفلسطينية ويعقد وصول المساعدات.
تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة
إن التوسع المستمر للسيطرة الإسرائيلية على أراضي غزة يحمل في طياته تداعيات كارثية على المستويين الإنساني والسياسي. فعلى الصعيد الإنساني، يؤدي تقليص المساحة الحيوية المتاحة لأكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في أحد أكثر بقاع العالم كثافة سكانية إلى تفاقم الأوضاع المعيشية المتردية. فهذه السياسة تدمر الأراضي الزراعية، وتحد من الوصول إلى مصادر المياه، وتزيد من الضغط على البنية التحتية المتهالكة، وتجبر المزيد من السكان على النزوح الداخلي.
أما على الصعيد السياسي، فإن هذه الإجراءات الأحادية تقوض بشكل ممنهج أي فرصة لتحقيق حل الدولتين، حيث تجعل من إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وذات تواصل جغرافي أمراً شبه مستحيل. كما أنها تمثل تجاهلاً تاماً للاتفاقيات المبرمة والجهود الدولية الرامية إلى تحقيق تهدئة طويلة الأمد، مما يهدد بإشعال جولات جديدة من الصراع أكثر عنفاً وتدميراً.


